كمال ذبيان - خاص الأفضل نيوز
حكومةُ تصريفِ الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي، تقوم وفق صلاحيّاتها الدّستوريّة بالحدود الدّنيا لاستمرار تشغيل المؤسّسات، في ظلّ الشّغور برئاسة الجمهوريّة يضغط على أعمالها، لجهة اتّهامها من قبل "التّيار الوطنيّ الحرّ"، بأنّها تغتصب صلاحيّات رئيس الجمهوريّة، وهجومٌ حادٌّ وانتقادات قاسية للرّئيس ميقاتي، الّذي قال في مجلس النّواب قبل أشهر "انتخبوا رئيس جمهوريّة وحلّوا عنّي".
فمنذ خمس سنوات، ومع بدء ما سُمّيَ "ثورة" ١٧ تشرين الأول عام ٢٠١٩، فإنَّ الانهيار لحق بمؤسّسات الدّولة، وهو بدأ تباعًا مع تراجع سعر صرف اللّيرة اللبنانيّةِ أمام الدولار، وقد خسرت نحو ٩٥٪ منها، بحيث وصل تقلّب سعر الصّرف إلى نحو ١٥٠ ألف ليرة، إلى أن استقرَّ على حوالي ٩٠ ألف ليرة للدولار الواحد، وهو إجراء اتُّخذ في نيسان من العام الماضي، وقبل أن يترك حاكم مصرف لبنان رياض سلامة منصبه في الأوّل من تمّوز الماضي، بعد ٣٠ عامًا على ثبوته، والّذي يحمّله سياسيّون وخبراء ماليّون واقتصاديّون مسؤوليّة خسارة اللّيرة قيمتها بعد ربع قرن على استقرارها، بسبب تواطؤ قام بينه وبين المصارف والحكومات المتعاقبةفي تأمين المال لخزينة الدولة، مقابل فوائد عالية جنتها كأرباح المصارف، في وقت كانت الحكومات عاجزة عن تسديد فوائد الدّيون، والّتي بلغت سنويًّا نحو ٧ مليارات دولار، حيث قدّرت الخسائر بنحو ٨٣ مليار دولار.
هذا الانهيار الاقتصاديّ الّذي تسبّب بالإفلاس، انعكس على المودعين الّذين فقدوا مدّخراتهم، كما أدّى ذلك إلى خسارة الموظّفين في القطاعِ العام والخاص، لقدرتهم الشّرائيّة، وهذا ما أدّى إلى إقفال مؤسّسات خاصّة وصرف موظّفين وازدياد البطالة إلى حوالي ٤٠٪، وكذلك نسبة الفقر، وتوسّع الهجرة لا سيّما في صفوف الشّباب.
هذا الوضع الاقتصاديّ المستمرّ بالتّدهور ينقذه توفير المغتربين سيولة في السّوق، يرسلونها إلى عائلاتهم، وتقدّر سنويًّا بنحو ٧ مليارات دولار، ولولاها لكان الوضع أسوأ بكثير ممّا هو عليه حاليًّا، حيث لم تلجأ الحكومة ومن سبقها من حكومات إلى إنجاز إصلاحات بنيويّة في النّظام الاقتصاديّ، وقد تقدّم كثيرون باقتراحات وأوراق إصلاحيّة، لكن لم يحصل أيّ تقدّم، ولم تستجب الحكومة إلى خطّة صندوق النّقد الدّولي، حيث تخشى الدّول من سياسته الّتي تقوم على تعطيل دور الرّعاية للدّولة، وهذا ما يتّجه إليه لبنان، حتّى قبل حصول الانهيار، عندما اتّجه نحو الخصخصة، الّتي أفقدت المؤسّسات الرّسميّة دورها، وثمّ تحميل المواطن فاتورة عالية الثّمن، لإنجاز معاملاته.
وقدّمت الحكومة موازنة، ليس فيها إصلاح، وأقرّها مجلس النّواب، وطعن فيها عدد من الكتل أمام المجلس الدّستوري، الّذي أوقف العمل بعدد من المواد الواردة فيها، إذ هي موازنةُ رسوم وضرائب تحمّل المواطنين أعباء عالية، في ظلّ أجور مُتدنّية في القطاعِ العامّ خصوصًا، بالرّغم من المحاولات التي قامت بها الحكومة لتعديل الرّواتب وإعطاء الحوافز، لكنّها لم تصل إلى نتيجة إيجابيّة، مع مسلسل الإضرابات والإقفال الّتي طالت جميع المرافق العامّة، وعدم حضور الموظّفين مع ارتفاع سعر البنزين، ومعه كلفة النّقل، لأنّ ما تلجأ إليه الحكومة هو إجراءات مؤقتة.
فالموظّف في القطاعِ العامّ بات راتبه يتراوح بين ٢٠٠ و١٠٠٠ دولار، حسب الرّتبة والفئة، وهذا التّدبير لم يلق القبول من الموظّفين الّذين كانت رواتبهم أضعاف ما سيحصلون عليه مع التّعديلات.
وهذا الوضع ينطبق على القطاع الخاصّ إذ اتّفق الاتّحاد العمّالي مع الهيئات الاقتصاديّة برعاية وزارة العمل، بأن يصبح الحدُّ الأدنى للأجور ١٨ مليون ليرة، ما يعادل ٢٠٠ دولار، أي ٣٥٪ من الحدّ الأدنى الّذي كان ٤٥٠ دولار، قبل الأزمة، وكان الاتّحادُ العمّاليُّ العامُّ يُطالب برفعه إلى ٧٠٠ دولار، ممّا يعني أنّ نسبة الفقر سترتفع ومعها البطالة والهجرة، بسبب القرارات التي تتّخذها الحكومة، حيث سيزداد الوضع الماليُّ والاقتصاديُّ سوءًا، سوى من تحوّل إلى "الدولرة"، فإنّه يسيّر أعماله، ويبقى من يقبض باللّيرة يعيش بأزمة.

