محمد علوش - خاص الأفضل نيوز
تشكّل الحرب الحالية القائمة في الجنوب اللبناني تحدّيات عديدة لحزب الله الذي يختبر هذا النوع من الحروب للمرة الأولى، فالحرب القائمة منذ 5 أشهر ونصف تعتبر حرب استنزاف، للحزب وعدوه الإسرائيليّ، ومن الصعب في حروب الاستنزاف أن يكون هناك إنجازات كبرى تتحقّق، خاصة مع رغبة حزب الله بعدم توسعة الحرب باتجاه كل لبنان، وتحمله الكثير من الخسائر اللوجستية والبشرية نتيجة هذه الرغبة بحماية لبنان قدر الإمكان.
لم يكن يتوقع حزب الله، طيلة مدة تجهيزه للحرب ضد إسرائيل، أن يدخل في حرب استنزاف طويلة كالتي نعيشها اليوم، فالعمل طوال 17 عاماً، والذي انطلق منذ اللحظة الأولى لانتهاء حرب تموز 2006، كان لأجل التحضير للحرب الكبرى التي تؤدّي بنهاية المطاف إلى كسر الوجود الإسرائيليّ في المنطقة، ولكن كان للقدر، ولحركة حماس، حسابات أخرى تجلّت في 7 تشرين الأول من العام الماضي بعملية طوفان الأقصى.
لم يعد سرًّا القول أن توقيت عملية حركة حماس كان مفاجئاً لكل الحلفاء ومنهم حزب الله في لبنان، إذ لم يكن الحزب في 7 تشرين الأول في نية خوض حرب مع العدو الإسرائيليّ، ولم تكن قواته في حالة طوارىء، لذلك لم يكن ما يجري في الجنوب بتوقيته، وهذا أحد أبرز أسباب عدم رغبته بالحرب الواسعة.
مرحلة بداية الحرب كانت بتوقيت حماس ومن ثم باتت الحرب تسير على التوقيت الإسرائيليّ، الذي يملك والأميركيّون قرار وقفها في كل المنطقة، من غزة إلى جبهات الإسناد، ومن هنا يُفهم حجم تدخل حزب الله في الحرب، ورفضه للانجرار إلى حرب موسعة في لحظة تتجمع فيها قوى العالم في الشرق الأوسط نصرة لإسرائيل.
7 تشرين وعملية طوفان الأقصى فرضت نفسها على الجميع وغيرت في الخطط والحسابات، فكان دخول حزب الله في جبهة الإسناد خلال الأيام الأولى للحرب بظل استعداد كامل منه لتوسيع الحرب بحال قام الإسرائيليّ بتخطّي الخطوط الحمر التي كانت بداية الحرب مختلفة تماماً عما هي اليوم.
مع مرور أيّام الحرب تبدّلت الخطوط الحمراء بالنسبة لحزب الله، وهذا الأمر استفاد الإسرائيليّ منه إلى أقصى درجة، فبعض الضربات التي حصلت في العمق، مثل اغتيال صالح العاروري في الضاحية، قصف الغازية، ومن ثم استهداف البقاع في محاولة لرسم معادلة جديدة تقوم على وضع البقاع مقابل الجولان السوري المحتل، كانت كافية بداية الحرب لتشعل المنطقة، ولكن هناك تبدل استراتيجي حصل على مستوى قرار حزب الله، فالحزب ومعه إيران وجدوا أن الحرب الواسعة ستكون من مصلحة إسرائيل المستفيدة من الدعم الدولي الكامل، وستحول الأنظار عن غزة والقضية الفلسطينية، وأضرارها ستكون أكبر من فوائدها، وهو ما اعلنه السيد نصر الله في الخطاب الأول بعد بداية الحرب عندما قال أن ظروف هزيمة إسرائيل غير متوفرة بعد والمهم استكمال جمع النقاط.
علمت "إسرائيل" حجم التصعيد الذي قد يقدم عليه حزب الله وعدم رغبته بالحرب الواسعة واستفادت من ذلك من خلال استهداف بنك أهداف كبير وواسع للحزب من الجنوب إلى البقاع، وأبعد إلى سوريا، إذ أن قرار الحزب رفض الحرب حماية للبنان يُخسّره على الصعيد العسكري، إن كان لناحية عدد الشهداء، أو عدد المراكز التي استهدفت.
إذ تكشف مصادر متابعة عبر "الأفضل" أن جيش العدو الإسرائيليّ تمكن من استهداف بعض المراكز التي يعتبرها مهمة للحزب، وتضم "مشاغل" أساسية، كما تمكن من استهداف أنفاق في المنطقة الحدودية، وتجهيزات للمقاومة في قرى جنوب نهر الليطاني، ومراكز تدريب، مشددة على أنه لا يوجد من ضمن هذه الأهداف أي هدف استراتيجي أو هدف كبير، ولكن التجهيزات المستهدفة ليست بلا أهمية، وهي نتاج جهد وعمل استمر سنوات.
لا ينظر حزب الله إلى هذه الخسائر كأولوية مقارنة بما يطمح لتحقيقه بمنع الحرب الواسعة عن لبنان، أما أعداد الشهداء فقد تمكن الحزب مع مرور الحرب من البناء على التجربة وتغيير التكتيكات أكثر من مرة لخفض العدد وقد نجح بذلك، وتغيير التكتيك خلال الحروب نقطة قوة لا تمتلكها سوى قلة من جيوش العالم.

