عماد مرمل -خاصّ الأفضل نيوز
يختصر الخلاف السياسي والطائفي حول تعيين خفراء الجمارك الناجحين في مباراة التطويع، أزمة الثقة والخوف بين المكونات اللبنانية التي تسيطر عليها هواجس متضخمة، تبدو أحيانا "مَرَضية" بسبب ما تنطوي عليه من مبالغات وتهيؤات.
ومن الواضح أن عقدة الارتياب في الآخر والقلق منه لا تزال تتحكم بسلوك القوى السياسية التي تمثل الطوائف في "السلطة القبلية"، ما يؤدي إلى انعكاسات سلبية على مسار انتظام الدولة الآخذة في التحلل وسط غياب الحلول لمشكلاتها المتفاقمة.
وتحت شعار حماية التوازن الداخلي والوفاق الوطني تم أخيرا تعطيل تعيين خفراء جمركيين في ملاك الضابطة الجمركية لجهازي المكافحة في البر والبحر والجهاز الفني، على الرغم من أنهم نجحوا في الامتحانات الخطية التي خضعوا لها وبالتالي استحقوا أن يلتحقوا بوظائفهم الجديدة على أساس علاماتهم، بعيدا من أي "واسطات".
لكن ولسوء الحظ في بلد الحسابات الطائفية والمذهبية، شاءت الأقدار أن يكون هؤلاء الناجحون من المسلمين حصرا، الأمر الذي دفع جهات سياسية ودينية إلى شن هجوم استباقي لإجهاض محاولة تعيينهم في مراكزهم، خوفا من تداعيات هذا الأمر على "تنوع" تركيبة الدولة والإدارة الرسمية وعلى معادلة العيش المشترك ، ما اضطر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى إرجاء البت في هذا الملف حتى إشعار آخر.
ولعل أصعب ما في هذه القضية أنها وضعت الكفاءة في مواجهة التوازن، والإنصاف في مواجهة المناصفة، والطائف في مواجهة الطوائف، والناجحين في مواجهة الخائفين، وذلك انعكاسا لنظام هجين لا يتوقف عن إفراز المآزق والأزمات، من دون أن تمتلك المكونات الداخلية بعد شجاعة المبادرة إلى تطويره.
ومن المفارقات الغريبة في هذا الإطار أنه حتى عندما يكون النص الدستوري واضحا، كما هو الأمر في حالة هؤلاء الخفراء ومن يماثلهم، تستمر الاجتهادات والتأويلات في تفسيره وفهمه وفق ما يتلاءم مع مخاوف البعض أو مصالحهم.
ومن المعروف أن المادة 95 من دستور الطائف تحصر تطبيق قاعدة المناصفة الطائفية بوظائف الفئة الأولى دون سواها، فيما تعتمد بالنسبة إلى سائر الوظائف في الفئات الأخرى مبدأي الاختصاص والكفاءة، وهذا ما كان يجب أن يسري تلقائيا على الفائزين في امتحانات خفراء الجمارك، كما على حراس الأحراج وغيرهم من الذين استحقوا بعرق جبينهم أن ينضموا إلى الإدارة الرسمية، بمعزل عن انتماءاتهم الطائفية.
لكن هناك في المقابل من يعتبر أن روح الدستور أهم أحيانا من مواده ربطا بالضرورات الوطنية الملحة والمصلحة العليا، وأن الجدارة والكفاءة ينبغي أن تكونا متلازمتين مع مراعاة مقتضيات الوفاق والميثاقية لحماية لبنان الرسالة والتنوع وإلا يفقد خصوصيته ومعناه في هذا الشرق.
ويبقى التساؤل: ما ذنب الناجحين في امتحان الدخول إلى ملاك الدولة إذا كانوا من طائفة محددة وإذا كان المنتمون إلى طوائف قد قرروا الانكفاء؟ وهل يجوز أن تصبح هذه القضية مادة للمزايدات من قبل البعض خصوصا أن "الحكي ما عليه جمرك"؟

