ليديا أبودرغم – خاص الأفضل نيوز
لم تتوقف الولايات المتحدة عن العمل لتحقيق استراتيجبتها الجديدة للأمن القومي الأميركي التي ترمي إلى تحييد روسيا عن المنافسة على الزعامة القطبية، وعرقلة التحول العالمي نحو التعددية القطبية، وإيهام الصين، عبر ممارسة الضغط عليها، سواء عبر قضيّة تايوان أو من خلال العقوبات والقيود التجارية أو من خلال السعي لتشكيل تحالفات إقليمية معادية لها في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي، بإمكانية بناء عالم جديد ثنائي القطبية بعيداً عن روسيا تتقاسم فيه بكين مع واشنطن مناطق النفوذ والسيطرة، في محاولة منها للاحتفاظ بتفوقها ونفوذها وهيمنتها على العالم، وظهر المخطط الأميركي جليًّا عبر الحرب بالوكالة التي يشنّها حلف الناتو ضد روسيا في أوكرانيا، بالتوازي مع فرض حزم صارمة من العقوبات المتنوعة والمتشعبة طالت كل جوانب الاقتصاد الروسي.
إلا أن ذلك لم يثنِ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تحقيق حلمه بتشكيل نظام عالمي متعدّد الأقطاب، لهدف لطالما ردّده في رؤية تشاطره فيه عدة دول كبرى على المسرح الدولي منها الصين والهند والبرازيل وغيرها، فكانت قمة بوتين – مودي دليلاً إضافياً وجوهريًّا على التحوّلات الجذريّة والعميقة التي يشهدها النظام العالمي منذ سنوات نحو عالم جديد متعدّد الأقطاب بعدما ظلّ تحت هيمنة الأحاديّة القطبيّة طوال ثلاثة عقود من الزمن منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وهذا ليس بالمستغرب طالما أن الهند شريكة روسيا والصين في منظمة شنغهاي ومجموعة "بريكس" وواحدة من الدول التي يمكن أن تجد نفسها مضطرة للبحث عن تحالفات مضادة والبقاء على علاقة طيبة مع روسيا، في ظل التسويات الجديدة التي ستفرضها التحولات الجيواستراتيجية في دول العالم والمنطقة تحديداً بعد عملية "طوفان الأقصى"، ونتائج الانتخابات الأميركية التي ينتظرها العالم بفارغ الصبر لما قد يكون لها من تأثير في مجريات الأحداث العالمية في ما لو عاد الرئيس دونالد ترامب لتولي الرئاسة، والذي من المرجح إذا فاز أن يضع حداً للحرب الأوكرانية.
من هنا يمكننا فهم الأهميّة الاستراتيجية لزيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى موسكو التي يتبنى رئيسها عملياً فكرة الأوراسية الكبيرة، وينظر إليها على أنها الإطار الجامع الذي يمكن أن يشمل دول آسيا الوسطى والقوقاز ويتمدد للتشبيك مع الشرق الأوسط الصين والهند التي أصبحت واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم، والتي تقدم نفسها كممثلة لدول الجنوب العالمي وصولاً إلى جنوب شرق آسيا.
قمة بوتين - مودي حسمت الخيار نحو التحول العالمي إلى عالم متعدد الأقطاب، في مواجهة الغرب الذي تتهاوى زعامته شيئاً فشيئاً على امتداد الجغرافيا العالمية. فهل يبصر العالم قريباً التعددية القطبية؟.

