كريستال النوّار - خاصّ الأفضل نيوز
أيُّ مُستقبل ينتظر البلد و"التروما" لا تُفارق أهاليه، منذ الحرب الأهليّة مروراً بالتّفجيرات والاغتيالات والأزمات المُتتالية، وصولاً إلى الحرب الدّائرة اليوم والتي لا تقتصر على المناطق المُتضرّرة، بل يصل تأثيرها المُدمّر إلى الشّعب اللبناني بأكمله، ومن دون أيّ رحمة...
هنا لا بدّ من لفت الأنظار قليلاً إلى الوضع الذي يعيشه أطفالنا يوميًّا، خصوصاً في مجتمع النّزوح، والعنف الذي يتعرّضون له، على كلّ الصّعد.
يُشير جو معلوف، الإعلامي ومؤسّس الاتّحاد لكرامة الإنسان "كرامة"، إلا أنّ "موضوع العنف الذي يتعرّض له الأطفال اليوم، يجب أن يُعالَج حتّى لا يتفاقم معهم لاحقاً"، لافتاً إلى أنّ "تأثير ما يحصل اليوم على الأطفال خطير، فهم إضافةً إلى خروجهم من بيئتهم وروتينهم اليومي ومنازلهم، الضّرر الفعلي سيظهر بعد سنوات".
ويوضح معلوف، في حديثٍ لموقع "الأفضل نيوز"، أنّ "المشاهد الرّاسخة في عقول الأطفال اليوم، هي الدم، واستشهاد أفراد من العائلة ومن الأهل... أبشع شي عم يعيشو الطّفل اليوم إنّو يدفن بيّو أو إمّو".
أمام هذا الوضع الخطير، "تقتصر المُساعدات الخارجيّة والداخليّة والدّعم للنازحين والمتضرّرين، على الطّعام والدواء والفرش والحرامات، ولكن ماذا عن الصحّة النفسيّة؟"، يتساءل معلوف، معرباً عن أسفه "لأنّها ليست أولويّة عند المجتمع الدولي ولا عند الدولة اللبنانيّة".
ويُضيف: "ما هو المجتمع القادم؟ الحرب تنتج جيل إجرام ودم وحقد وكره.. هنا خطورة الموضوع، خصوصاً أنّ البلد مفلس وعاجز عن تمويل برامج للحفاظ على الصحّة النفسيّة"، مُشدّداً على "أنّنا بحاجة إلى برنامج على صعيد الوطن يتضمّن أيضاً تثقيف الأهل وأهلهم أيضاً، وليس الأطفال فقط".
في هذا الإطار، يُعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أنّ ربع الأراضي اللبنانيّة تلقّى سكانها أوامر إسرائيليّة بإخلائها، مضيفاً أن "الأزمة الإنسانية في لبنان تتدهور بمعدل ينذر بالخطر، والقطاع الصحي يتعرّض لضغوطٍ هائلة من الهجمات المتواصلة على مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها، كما يواجه قطاع التعليم تحدياتٍ هائلةً، حيث يتم حالياً إعادة توظيف معظم المدارس العامة كملاجئ جماعيّة".
ووفق بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، فإنه منذ بداية التصعيد في لبنان في 23 أيلول الماضي، قُتل 2.083 شخصاً وجُرح 9.869 آخرون، في حين اضطرّ أكثر من 608 آلاف شخص إلى النّزوح داخليًّا وأكثر من 180 ألف شخص يبحثون عن ملجأ، بما في ذلك 350 ألف طفل".
كذلك، حذّرت الشبكة العربيّة للطفولة من تداعيات الحرب وأصوات القصف والدّمار على الأطفال، وما يتبعها من صدماتٍ نفسيّة وحالات خوف وقلق لدى هذه الفئة. وأمام الأطفال النّازحين تحديات إضافيّة مقابل نظرائهم ممّن لم ينزحوا، إذ عليهم التعامل مع تداعيات النزوح.
وأفادت تقارير عدّة لمنظّمات محليّة معنيّة بحماية الأطفال، بأن الأطفال النازحين يتحدّثون عن كوابيس مستمرّة وبأن الأهل قالوا إن الأطفال باتوا أكثر عدوانيّة.
هنا يُشير معلوف إلى الكارثة التي تنتظرنا في المُستقبل، قائلاً: "المشكلة الأساسيّة أنّ هذا الجيل هو نتاج من أجيال أخرى عاشت حروباً أيضاً... وأيضاً في السّنوات المقبلة، ماذا سيكون هدف كلّ طفل اليوم عندما يكبر؟ هدفه الوحيد سيتمركز حول الانتقام والكره والحقد والسّلاح والقوّة والتّفجير والدم.. خصوصاً إذا لم يُعالَج من الصّدمة مع غياب العدالة في البلد".
كما يعرض معلوف بعض الأرقام التقريبيّة، لافتاً إلى أنّ "هناك 35 في المئة من النازحين، 70 ألف طفل في المراكز، أمّا خارج المراكز فهناك بين 200 و250 ألف طفل على الطّرقات.. هؤلاء لا يسأل عنهم أحد والوضع يُنذر بالأسوأ وبأنّهم قد يبقون على الطّرقات لفترة طويلة من دون تعليم ولا يكترث أحد لما يعيشونه أو ما يشعرون به... في هذا الوضع، وبعد أن تمرّ الحرب ويكبر هؤلاء الأطفال، رمِّم إذا فيك ترمِّم".
ويقول: كلّ الأزمات التي مرّت على اللبنانيين في كلّ المراحل التي عاشها لبنان والتأثير علينا جميعاً، أهالينا وأهاليهم، خلّفت وما زالت ما يُسمّى بالتروما الجماعيّة... "الأكثرية ما عم تطلع صاغ".
في السياق نفسه، تلفت الشبكة العربيّة للطفولة إلى أنّ الأطفال في لبنان، خصوصاً في المناطق التي شهدت حركة نزوح كثيفة، يواجهون تحدياتٍ جسيمة مرتبطة بحقّهم بالتعليم والأمان والصحّة وغيرها. وتقول إن الكثير من التلاميذ تابعوا دراستهم العام الماضي بشقّ الأنفس، بعضهم عن بُعد (تحت القصف وفي ظلّ انقطاع الكهرباء والانترنت) والبعض تلقّى دروسه في مدارس تستقبل نازحين. في المقابل، حُرم حوالى 20 ألفاً من الدراسة بسبب إغلاق مدارسهم، كما حُرم آلاف الأطفال الصّغار من تلقّي تعليمهم ما قبل المدرسي بسبب إغلاق دور الحضانة.

