انقضت ستة عشر سنة على الحرب الإسرائيليّة على لبنان في تموز من العام 2006 وما تزال القنابل العنقوديّة الّتي أُلقيت وبلغت 6 ملايين قنبلة على منطقة شمال اللّيطاني تشكل احتلالًا مدفونّا في الأرض، حيث أدّت العوامل الطبيعيّة من أمطار وانجراف التّربة والرِّياح إلى طمر العديد منها في باطن الأرض. وفيما يستمر الجيش اللبناني والمنظّمات المحلّيّة والدوليّة واليونيفيل بالتّنقيب عنها، فقد تم حتّى اليوم تنظيف ما يقارب 80 بالمئة من الأراضي الملوّثة بها في الجنوب، وتبقى ما نسبته 20 بالمئة تتركّز قرب الخطّ الأزرق وبلدات جنوب وشمال اللّيطاني.
يشرف المركز اللّبناني للاّلغام في الجيش اللّبناني على عمل الشّركات والجمعيّات المنقّبة عن القنابل العنقوديّة، وهو وضع خطة خمسية لإزالتها بالتّعاون والتّنسيق مع الأمم المتّحدة، تنتهي أواخر العام 2026 بعد أن حصدت ما يقارب 950 شهيدًا، وقارب عدد الجرحى نحو ألف غالبيّتهم من المواطنين المزارعين والرُّعاة، إضافة إلى بعض عناصر الجيش واليونيفل ومنقِّبي جمعية أجيال السَّلام وهي منظمة محليّة سقط لها 7 شهداء وعدد من الجرحى خلال عملهم في هذا المجال.
في هذا السّياق، أفادت مصادر معنيّة بعمليّة نزع القنابل العنقوديّة عبر "النّشرة" أن الشّركات المنقّبة كانت عشرين شركة عند انتهاء العدوان في 14 آب 2006، وتقلصت اليوم بفعل الأزمة الاقتصاديّة إلى 6 جمعيّات، وهي أجيال السّلام لنزع الألغام، النروجيّة، الدانماركيّة، فريق ماغ البريطاني، الشّركة الفرنسيّة، فوج الهندسة في الجيش اللّبناني واليونيفل، وجميعهم يعملون تحت إشراف المركز اللّبناني لنزع الألغام التّابع للجيش اللبناني.
إلى ذلك، أوضح رئيس اتّحاد نقابات العمّال والمستخدمين في محافظة النبطيّة حسين وهبي مغربل أن معظم شهداء ومصابي القنابل العنقوديّة هم من محافظة النبطيّة، وطالب الدولة ان تقف إلى جانبهم في اعتبارهم شهداء الوطن عبر تقديم رواتب لأهالي الشهداء والمُصابين منهم.
من جهته قال رئيس جمعيّة الإنماء في يحمر الشقيف فؤاد قرة علي لـ"النّشرة" أن تلك القنابل أدّت إلى استشهاد المواطن حسين علي أحمد في البلدة وآخر كان يعمل على إزالتها قرب النادي الحسيني مع انتهاء العدوان.
عماد خشمان الصِّحافي والناشط في مجال التوعيّة من مخاطر الألغام والقنابل العنقودية ودعم ومناصرة ضحايا الحرب والأشخاص ذوي الإعاقة من الألغام والقنابل العنقودية الإسرائيلية، رأى أن عدوان مستمر على لبنان مع حلول الذكرى السادسة عشرة لانتصار تمّوز 2006، بظلَّ استذكار صور ما فعله العدوُّ الصهيونيُّ على لبنان بكلِّ أشكاله البغيضة والإجراميّة من تدمير للقرى والبلدات ونسف للجسور والطرقات وقتل للمدنيّين العُزَّل الآمنين. وتحدّث عن السّاعات الأخيرة من الحرب (آخر 72 ساعة) كيف بدأت التّقارير والمعلومات ترد عن استهداف غير مسبوق، وإمطار القرى والبلدات والحقول والسّهول والأودية والمرتفعات بملايين القنابل العنقوديّة قدّرتها مصارد الأمم المتّحدة والمنظمات الدوليّة وحقوق الإنسان بما لا يقل عن 4 ملايين قنبلة عنقودية، حيث كان الهجوم الأوّل بالقذائف المحظّر استعمالها لقرية "بليدا–جنوب لبنان" في 19 تموز حيث أدى إلى سقوط 12 مدنياً على الأقل بين قتيل وجريح من بينهم سبعة أطفال. وحذّر من مخاطر ما تبقّى منها في أماكن كثيرة في الجنوب.
ووفقاً لإحصاءات المركز اللبناني للأعمال المتعلِّقة بالألغام في الجيش اللبناني (LMAC) الصادرة في تقريره الدّوري السّنوي عن العام 2021، لا يزال 31,613,000 م2 من الأراضي الجنوبيّة ملوّثة بالألغام والقنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة، تم تنظيف 1,209,203 م2 بجهود المنظمات الدوليّة والوطنيّة العاملة في هذا المجال خلال العام 2021 في حصيلة تقدّر بــ20,573 لغماً وقنبلة عنقوديّة وذخيرة غير منفجرة تمّ تعطيلها وإزالتها.
إضافة إلى هذه المساحة المعلنة وبجهود فرق الهندسة في الجيش اللبناني تم تنظيف ما يقارب الـــ48,192 م2 وإزالة ما يقارب 9719 لغماً وقنبلة عنقودية وذخيرة غير منفجرة.
وخلال العام نفسه وفق إحصاءات الـــ LMAكانت حصيلة الضحايا 21 بين شهيدٍ وجريح ومعوّق (3 بالغين و3 من الأطفال) أضيفوا إلى 2352 ضحيّة مسجّلة في لوائح ضحايا الألغام في لبنان.
إنَّ هذا العدوان المدفون زمنياً وجغرافياً يشكل نوعاً من الاحتلال المستتر والمقنّع في آثاره ونتائجه الإنسانيّة والاقتصاديّة والأمنيّة، ويضع اللبنانيين أمام تحّدياتٍ قاسية في مواجهة هذه المخاطر وتداعياتها، وخاصّة أننا نشهدُ ولأعوامٍ متوالية تراجعاً في الدّعم الدولي للبنان، وتقليصاً لأعداد الفرق العاملة وتقليصاً للجهود المبذولة في إطار عمليّات التنظيف وإزالة مخلّفات الحرب الاسرائيليّة على لبنان، مما يضعنا جميعاً كمواطنين أمام مسؤولياتنا في إستمرار رفع الصوت عالياً تنديداً بما حصل وتحميل اسرائيل المسؤولية الإنسانية والأخلاقية والجزائيّة وفقاً لمندرجات القانون الدّولي الإنساني واتفاقيات جنيف لحقوق الإنسان.

