ليديا أبودرغم - خاصّ الأفضل نيوز
في زمن الصعود الدولي السريع الذي حققته في مدة قياسية، لم تعد المملكة العربية السعودية لاعباً عربياً مؤثراً في سياسات بعض الدول العربية المأزومة سياسياً أو اقتصادياً ولا مشاركاً في السياسات الإقليمية ذات التأثيرات السياسية والاقتصادية على المنطقة فحسب، بل أصبحت شريكاً سياسياً واقتصادياً دولياً، فانفتحت على روسيا والصين دون الابتعاد عن الولايات المتحدة الأميركية، كما عقدت اتفاقاً مع الإيرانيين أفضى إلى تفاهمات متعددة الاتجاهات شكّل متنفساً سياسياً ودينياً على صعيد المنطقة ككل وإن كان يسير ببطء.
فبالتزامن مع تنفيذ شعار "صفر مشكلات" أطلقت المملكة العربية السعودية رؤيتها "2030" لمستقبل بلادها، هذه الرؤية التي تشكل خطة ما بعد النفط أُعلن عنها في 25 نيسان 2016، وتشمل علاقة المملكة بمختلف دول الأصدقاء والأشقاء والحلفاء، ولا شك في أن لبنان يقع ضمن الخيارات السعودية ليكون جزءًا من هذه الرؤية، وهي لم تغب عنه أساساً لكنها أعادت تنظيم حضورها بما يتلاءم وخطوات الساسة اللبنانيين تجاه شعبهم أولاً والعلاقات العربية ثانياً، وعليه فإن السعودية التي صوّبت بوصلة التحرك الفرنسي الذي أضاع سبيله من ضمن عمل لجنة الخماسية الدولية المتعلقة بلبنان تمسّكت بمواصفات الرئيس التي عبّرت عنها في بيان نيويورك الثلاثي الذي ركز في المقام الأول على ضرورة صون اتفاق الطائف، ودخلت من خلال التنسيق مع القطريين بقوة على خط الأزمة اللبنانية التي ساهمت في حلّها بدءاً بانتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية مروراً بتكليف الرئيس نواف سلام تشكيل الحكومة بفريق عمل حكومي مختلف وليس انتهاءً بدعم مشاريع اقتصادية نهضوية كبيرة.
لعبت المملكة العربية السعودية عبر تاريخ علاقتها بلبنان الممتدّة لأكثر من 80 عاماً، دوراً أساسياً على الصعيد السياسي والمالي والاقتصادي من أجل مسح آثار الحروب وإعادة بناء ما تهدّم: فمنذ استقلال لبنان في العام 1943 مروراً بالحرب الأهلية فالاجتياح الإسرائيلي في الثمانينات، وصولاً إلى اتفاق الطائف، إلى أن تعاظمت إسهامات المملكة في لبنان في الفترة من 1989 إلى 2005 بشكل كبير. وفي العام 2010، شكّلت استثمارات السعودية في لبنان 40 في المئة من الاستثمارات العربية، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالى 720 مليون دولار، إلى أن وقعت أزمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري من السعودية في 2017 حيث بدأت العلاقة السياسية بين لبنان والسعودية تشهد فتوراً، وقد أعلنت السعودية حظر سفر رعاياها إلى لبنان، لتعلّق في العام 2021 الاستيراد من لبنان على خلفية أزمة تهريب الكبتاغون، لتنفجر العلاقات بين البلدين بتصريح الوزير جورج قرداحي الذي أشعل فتيل أزمة مستمرّة منذ ذلك الحين، وها هي اليوم تعود إلى بيروت من الباب العريض في العام 2025، تشدّد على أن أي دعم للبنان، سيكون رهن وجود دولة قوية وفاعلة وتفعيل وتعزيز عمل المؤسسات والالتزام من قبل الرئيس المنتخب بتطبيق الدستور، ومواكبة الإصلاحات البنيوية للبنان انطلاقاً من التمسك باتفاق الطائف والذي تجد فيه الرياض فرصة حقيقية للبنان الجديد.
وقد أتى أول الغيث الخليجي سريعا ًبإعلان دولة الإمارات عن فتح سفاراتها من جديد في لبنان وإعلان الأمير السعودي الوليد بن طلال أن فندق "فور سيزينز" في بيروت سيتم إعادة بنائه وافتتاحه في الربع الأول من سنة 2026، إلا أن التعويل هو على فيض الاستثمارات الخليجية بعد سنوات عجاف، التي تحتاج الى الاستقرار، لأن رأس المال المستثمر يحتاج أماناً واستقراراً سياسياً ومالياً من شأنه أن يعيد ثقة المجتمع الدولي والمؤسسات المالية الدولية ودول الخليج، بدور لبنان.
هذا التقاطع الخليجي على لبنان وتحديداً السعودي يفتح مساراً جديداً في البلاد قد يظهر في الاستحقاق النيابي عام 2026 ويقود الى تغييرات كبيرة في الداخل اللبناني تواكب السلام في المنطقة الذي تريده السعودية لتحقيق رؤيتها كما يريده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الجديدة واعتمده شعاراً لولايته الثانية.
يبدو أن محركات الهيئات الاقتصادية في لبنان قد دارت لجذب الاستثمارات، لاسيما في ضوء الزيارة الرسمية الأولى المرتقبة للرئيس جوزيف عون الى المملكة العربية السعودية. فهل يحصد لبنان الفرصة؟.

