أماني النجار _خاص الأفضل نيوز
يدخل القطاع التربوي سباق التدهور... فمن المعروف أنّ المدرِّسين هم عماد القطاع التّربوي الأساسي، وحيث لم يعد يكفيهم راتبهم ليومين، أو لتسديد ما ترتّب عليهم من ديون. أصبحوا أمام خيارين: إمّا الهجرة وإمّا التوقف عن الذهاب إلى مدارسهم، في دولة لا تحترم مربّي الأجيال، ولا مصير هذه الأجيال، ولا مصير التعليم.
ومع ارتفاع أسعار الوقود بشكل غير متوقع، يعجز الأساتذة كباقي موظفي القطاع العام محدودي الدخل، عن تأمين ما يحتاجونه من هذه المادة للوصول إلى عملهم، لتُضاف هذه المشكلة إلى أزمة تأمين التدفئة، وغلاء المعيشة التي تُلاحق القطاع التربوي. وفي مقابلةٍ خاصة للأفضل نيوز مع رئيس لجنة التربية والتعليم والثقافة النيابية النائب حسن مراد سألناه عن كيفية انطلاقة العام الدراسي الجديد، فقال: "إنّ المدارس الخاصة والرسمية تُعاني المشاكل نفسها لناحية كلفة التشغيل، وتأمين مادة المازوت، وتأمين الكهرباء، إضافةً إلى الضرورة التي حتّمها الغلاء وهي زيادة رواتب الأساتذة وبدلات النقل". ويضيف: "تعاني المدارس الرسمية من مشكلة التعاقد على مختلف مستوياته (متعاقدين، مستعان بهم قبل الظهر، مستعان بهم بعد الظهر)، الذين يطالبون ببدلات النقل، سيّما وأنهم يتقاضون أُجرة محددة على ساعة التعليم الفعلي مقطوعة".
وأكدّ رئيس لجنة التربية إلى "أنّ وزير التربية عباس الحلبي على دِراية في هذا الموضوع، وهو يحاول إيجاد الحلول عبر التواصل مع الجهات المانحة لتأمين الأموال اللّازمة للانطلاق في العام الدراسي القادم".
كما أشار إلى "أنّ لجنة التربية النيابية التي يرأسها، تقف إلى جانب الوزير، وهي على استعداد لمساعدته تشريعيًا من أجل الحفاظ على العام الدراسي".
وردًا عن سؤال عن دور لجنة التربية النيابية بالتعاون مع الوزارة لإيجاد حلول لهذه المشاكل المتراكمة، قال مراد: "إنّ لجنة التربية تتعاون مع الوزير من أجل الحفاظ على حقوق الأساتذة والطلاب في المدارس الرسمية والخاصة والجامعة اللبنانية، ولمنع المدارس الخاصة من فرض أقساط مدرسية بالدولار بشكلٍ عشوائيٍّ على الأهالي عبر صيغة تُرضي الأهل والأساتذة وأصحاب المدارس".
ولا شك أنّ البلد يعاني من مشكلات اقتصادية بدأت منذ العام ٢٠١٩ ترهق بظلالها على كل القطاعات وأبرزها القطاع التربوي بالتزامن مع الأزمة الصّحيّة كورونا، وهنا يعلّق مراد بالقول: "إنّ المشكلة الاقتصادية التي يعاني منها البلد، تشكّل ضغطًا كبيرًا على الحكومة لوضع القطاع التربوي على السِّكة الصحيحة، وهذا يتطلب زيادة حصة التربية في أية موازنة ستقَر، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الأمر، يرتبط بشروط البنك الدولي حول آلية توزيع الموازنة، وأنّ لجنة التربية ووزارة التربية في انتظار الموازنة ليُبنى على الشيء مقتضاه".
لاخيار غير التعليم الحضوري، بالرغم من بعض السلبيات التي لا تدرك أنّ مصير التعليم في لبنان على المِحك، خصوصًا بعد تجربة التعليم عن بُعد، التي باتت اليوم أكثر صعوبة بفعل أزمة الكهرباء، وانقطاع في شبكة الإنترنت وتكلفتها العالية وصعوبة توفر الأجهزة الضرورية للتواصل، ولكن هل ستتوفر المقومات الضرورية في المدارس الرسمية والخاصة لتكملة السنوات الدراسية القادمة، من تدفئة وكهرباء وإنترنت ومستلزمات القرطاسية وورق الماعون إلخ...
وللوقوف على رأي الأساتذة، سألنا الأستاذ فادي حلاق (مدير ثانوية قب الياس الرسمية) عن رأيه فقال: "إنّ وزارة التربية والتعليم لم تقِّر أية زيادة في الرواتب التي تتراوح بين مليونين ونصف وثلاثة ملايين ونصف، بحسب سنوات الخدمة، إنما ما حصل عليه الأساتذة من مبالغ إضافية، كانت الحوافز المقدّمة من اليونيسف، وهي تساوي كحدٍّ أقصى ٩٠ دولار تبعًا لأيام الدوام الفعلية لكل مدّرس، إضافةً إلى مساعدة اجتماعية تساوي نصف راتب، أُعطيت لهم بشكلٍ متقطّعٍ".
وأضاف حلاّق: "إنه تمّ تعديل بدلات النقل من ٨٠٠٠ ل.ل إلى ٦٤ ألف ليرة لكل يوم فعلي، إلاّ أنهم لم يتقاضوها حتى الآن. وكل هذه المبالغ، لم تكن كافية خصوصًا بالنسبة للأساتذة الذين يأتون من خارج بلدة قب الياس، وواجهوا مشكلة تأمين البنزين وتأمين ثمنه المرتفع، مع ما يخفى من صعوباتٍ معيشية يعاني منها الأستاذ كباقي المواطنين".
وعن أجور المدراء قال: "إنّ حال المدراء كحال الأساتذة، حصلوا على المساعدة الاجتماعية وال ٩٠ دولار ولم تقر أية زيادة على الراتب".
وأشار إلى "أنّ وزارة التربية ناشطة هذا العام، ما اضطرّهم للذهاب إلى الوزارة لمراتٍ عديدة على نفقاتهم الخاصة دون أية زيادة أو مساعدة". وعن موضوع تأمين المازوت للتدفئة، قال: "إننا أمام مشكلة حقيقية، وهناك أربعة حلول مقترحة لحل المشكلات: فالحلُ الأوّلُ هو الطلب من اليونيسف تأمين مادة المازوت والحل الثاني هو زيادة رسم التسجيل من ٢٧١ إلى مليون ليرة لكل طالب، والحل الثالث هو دعم البلديات للمدارس لتأمين مادة المازوت، والحل الرابع أن تقوم الوزارة بالاتفاق مع شركات التوزيع لإعطاء المازوت للمدارس والثانويات بسعر مدعوم بشكل كبير، ما يُسهم في تأمينها بشكلٍ منخفضٍ".
لا تقتصر مشكلات المدّرسين المتعاقدين على ارتفاع أسعار الوقود أو انخفاض قيمة الأجور، إنما تتعداها إلى غياب الضمان الصِّحي وبدلات النقل ومعاشات التقاعد أو تعويضات صرف الخدمة. وفي حديث لموقعنا مع الأستاذ فراس سعيد (أستاذ ثانوي) قال: "يعاني القطاع التعليمي من مشاكل متراكمة، فقبل غلاء الدولار وما ارتبط به من ارتفاع في أسعار السلع والمحروقات، يعاني المدّرسون، لاسيّما المتعاقدين على مختلف تسمياتهم، من ظلم يحرمهم العيش كما يجب، فلا ضمان صحي لا من جهة صندوق الضمان ولا من جهة تعاونية الموظفين، ولا تعويضات نهاية خدمة أو رواتب تقاعدية، ولا أمل في إدخالهم إلى الملاك، لذا فمصيرهم مجهول. وقد تفاقمت أحوالهم السيئة مع غلاء الدولار، وانخفاض قيمة ما يتقاضونه كأجر على كل ساعة تعليم فعلية، إضافة لكونهم لا يقبضون مستحقاتهم بشكل شهري ولا حتى بشكل فصلي منتظم، إنما بعد مطالبات ومناشدات ومظاهرات".
وفي ظلّ هذه المشكلات، يحتاج لبنان إلى وضع خطة تنفيذية تستند إلى الدراسات الحديثة، وتكفل جودة التعليم لجميع الطلاب، وعلى حكومتنا أن تعطي الأولوية لمساعدة قطاع التربية من أجل إنقاذ ما تبّقى، من خلال الحرص على أن يتمكن المدّرسون من أداء رسالتهم التّعليمية بطريقة جيّدة ومناسبة للتّعلم.

