ريما الغضبان - خاصّ الأفضل نيوز
عندما نتحدّثُ عن الأسواق الشّعبيّة، تشتدُ أذهاننا إلى أنّها شيءٌ من التّراث اللُّبنانيّ. وبالفعل هي جزءٌ من تراثنا اللّبنانيّ والبقاعي الذي ما زلنا نحارب لإبقاء القليل منه، فهو يمثّلُ الهوية اللُّبنانيّة. ولكنّ، قلائل منّا من يعيرون هذه الأسواق أهميّةً، فهي مصدرُ رزقٍ لمئات العائلات التي باتت لقمة عيشها مهدّدةً مع تضخم الأزمة الاقتصاديّة كلّ يوم.
سوق المرج لم يسلَم
هذه الأسواق لا تقتصرُ على "ضيعة " واحدة، فنبدأ من سوق المرج أو ما يسمّى "سوق الاثنين" الذي يُعتبر من أهم الأسواق الشّعبيّة على صعيد البقاع. هذا السّوق الذي يتضمّن كلّ ما يطلبه الإنسان من احتياجاتٍ بأسعارٍ مقبولةٍ مقارنةً مع غيرها من المحال التّجاريّة. فكيف تأثّر هذا السّوق بالأزمة؟.
يقول رئيس بلديّة المرج السّيِّد منور جرّاح في حديثٍ للأفضل نيوز: "لا شك، إنّ الوضعَ الماليّ والاقتصاديّ في لبنان أثّر سلبًا على الأسواق التّجاريّة الشّعبيّة وغير الشّعبيّة ومنها سوق المرج، فالأسعار المرتفعة للبضائع حَرمت الكثيرين من أبناء البقاع من أبسط المواد الأوليّة، كما أثّرت على حركة السوق، فبتنا نلاحظ انخفاضًا كبيرًا على صعيد عدد الزّبائن مقارنةً بالأعوام الماضية".
رئيسُ بلديّة المرج أكّد أنّ عدد البائعين "أصحاب البسطات " تراجع منذ بداية الأزمة، فأصبح النقل مكلفًا على التّجّار بالإضافة إلى عدم وجود عدد كافٍ من الزّبائن يعوضّ خسارة النقل، وفي بعض الأحيان تلفُ بعض الخضروات والفاكهة إذا كانت البضائع موادَّ غذائيّة.
معاناة البائعين: صرخة قهر!
بات مصدرُ عيش الكثير من أصحاب “البسطات" مهدّدًا، فارتفاع أسعار البضائع هو السّبب الرّئيس الذي أثّر على رأسمال التّجار. أمّا عن انخفاض عدد الزّبائن، فهنا المصيبةُ الكبرى، إذ لم يعُد هناك من يشتري البضائع. يقول التّاجر (أحمد.غ): "تراجعت نسبة الزّبائن حوالي 50%، منذ بداية الأزمة الاقتصادية وحتى اليوم، ويعود هذا إلى تراجع قيمة مدخول النّاس، بالإضافة إلى تكلفة النّقل التي باتت عبئًا على الشعب. فبات المواطن يشتري ما تيسر من بضائع من المحال التّجاريّة القريبة فقط من أجل توفير بدل النّقل".
أمّا عن الأمل بغد أفضل للأسواق الشّعبيّة، تقول السّيّدة محاسن (بائعة الفلافل في السوق المحلية): "مرّ لبنانُ بأزماتٍ كثيرةٍ، ولكن هذه المرة كانت الضّربة القاضية ... رجعونا عشرين سنة لورا، وبتنا بحاجة إلى معجزة لخلاص لبنان، وبالتّالي القطاعات كافَّة، ومنها الأسواق الشّعبية التي كانت، ومازالت مصدرَ رزقنا الوحيد".
ويشكو أصحابُ البسطات من ارتفاع كلفة "البسطة" الأمر الذي بات يهددُ لقمة عيشهم.
أسواقُ الفقراء بلا فقراء...!
كانت الأسواق الشعبية مقصدَ عامّة النّاس، وخصوصًا الفقراء الذين كانوا يبحثون عن احتياجاتهم بأقلّ كلفةٍ ممكنة. أمّا اليوم فقط باتت هذه الأسواق فاحشةَ الغلاء لأصحاب المداخيل القليلة. وفي حديث للأفضل نيوز تقول إحدى السّيدات: "كنتُ أقوم بجولةٍ أسبوعيّة على عددٍ من الأسواق البقاعيّة الشّعبيّة، بحثًا عن الأسعار المناسبة، وكنتُ أعتبر السّوق مصدر ترفيه لي وللعائلة. اليوم لم يعُد بإمكاني توفير بدل النّقل، وأصبح الطّعام كلّ ما نشتري من متاجر " الضيعة ".
زحمةٌ لم تعُد خانقة!
كان "يوم السوق" مصدرَ إزعاج لأهالي البلدات؛ بسبب الزحمة الخانقة التي كانت الأسواق الشعبيّة تُسبّبها. ومع الأزمة التي يعيشها لبنان، تمرُّ أيّام الأسبوع كلها بسلام، فلم تعُد هذه الأسواق تشهد عددًا كبيرًا من السّيّارات والنّاس. ويقول السيد (سامر،ح) أحد سكّان منطقة تعلبايا : "كنا نتذمر من الزحمة الخانقة كلّ ثلاثاء، فنتمنّى أن تعود هذه الحركة لإنعاش المنطقة اقتصاديًا".
في بلدٍ مهدَّدٍ اقتصاديًّا، بات مصدر عيش الفقير مهددًا أيضًا، فالسُّلطة حدّث ولا حرج، إلا من رحم ربي... فمن زحمةِ سيرٍ خانقة، إلى هدوءٍ تامّ حلّ على الأسواق الشّعبيّة البقاعية التي أضحت خاليةً لولا حركة اللّاجئين السّوريين الذين يُعتَبرون المموِّل الأوّل لهذه الأسواق، كونهم يتقاضون بدل معيشة من المنظمات الأجنبيّة، يبقى السُّؤال مطروحًا: هل سيتغيّر المشهدُ عمّا قريبٍ فيضجّ السّوق بالحياة من جديد؟!.

