د. كارين خالد الدغيدي - خاص الأفضل نيوز
الفساد هو لغة العصر متنوع الأشكال مختلف الأوجه التي تنكشف أحياناً وتختفي أحياناً أخرى. ومظاهره متعددة تبرز على شكل رشوة ، اختلاس للمال العام ، صرف النفوذ، استغلال الوظيفة ، الإثراء غير المشروع ، وغيرها من الجرائم. والمفارقة أنّ من يمارس هذه الأعمال في مجتمعنا يُعتبرون من الأذكياء والمتحايلين على القانون. يدخلون أضخم المشاريع الاقتصادية والانمائية والانتاجية في الدولة ويتغلغلون في أرجاء الإدارات العامة. فما السبيل إذن ، للحد من الفساد المستشري في إداراتنا ومؤسساتنا العامة ؟.
حيث أن الفساد كبّد الاقتصاد الوطني كلفة باهظة ، كما أنه يناقض مفاهيم الحكم الصالح وينسف مبدأ المشروعية بكل مكوناته ومكنوناته . وبما أنه ما من قانون إلاّ كان خلفه دافع عملي وواقعي حثّ على سنّهِ وتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لإصداره من أجل إدخاله حيز التنفيذ. وفي هذا الصدد أقر مجلس النواب خلال السنوات الثلاث الأخيرة العديد من القوانين المرتبطة بمكافحة الفساد ولكنها لم تأتي ضمن سلّة كاملة متكاملة وفق خطة ممنهجة . إنما أتت على دفعات وبالرغم من ذلك ننظر اليها بعين الأمل علّنا نبدأ من خلالها خطوة الألف ميل.
وبالتالي فإنّ أهم القوانين السبعة المرتبطة بمكافحة الفساد والتي تعتبر حجر الزاوية للإنطلاق نحو التطبيق ، تتمحور بالآتي : قانون الحق في الوصول إلى المعلومات الصادر في عام 2017 والمعدّل عام 2021 ، وقانون حماية كاشفي الفساد الصادر في عام 2018 والمعدل في عام 2020، وقانون دعم الشفافية في قطاع البترول الصادر في عام 2018 ، وقانون التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع الصادر في عام 2020، وقانون استرداد الأموال المتأتية عن الفساد الصادر في عام 2021 ، وكذلك قانون الشراء العام الصادر عام 2021.
وحيث أنّ المجتمع الدولي يقيس مدى شفافية ونزاهة الحكومة من خلال عدة معايير (العلنية والشفافية، الاستقرار السياسي، فاعلية الأداء الحكومي ، نوعية الأداة التنظيمية، سيادة القانون وضبط الفساد). وبالتالي فإن عملية مكافحة الفساد تُعد من أولويات الأجهزة التابعة للأمم المتحدة بقياس مدى سير الدولة نحو الحكم الصالح والرشيد إنطلاقاً من ايجاد آليات لمكافحة الفساد والحد منه.
من هنا كان الدور المحوري في إنشاء هيئة مكافحة الفساد حيث نصت المادة (5) من قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وانشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الصادر بتاريخ 8/5/2020 على التالي " تنشأ هيئة إدارية مستقلة تُسمّى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ، تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلال المالي والإداري يُشار اليها في هذا القانون ب "الهيئة"" . وتابعت المادة (6) من القانون عينه " تشكل الهيئة من ستة أعضاء بمن فيهم الرئيس ونائب الرئيس ويُعينون بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء ، لمُدة ست سنوات غير قابلة للتجديد".
وتبعاً لذلك، تُجري هيئة مكافحة الفساد الاستقصاءات والتحقيقات والملاحقات في جرائم الفساد من دون الاستحصال على أي من الأذونات والتراخيص المُسبقة الملحوظة في القانون متى تمت هذه الملاحقة بناءً على طلب من الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
إنّ ما تم ّ انجازه في مسيرة مكافحة الفساد جيّد من ناحية التشريعات المتعاقبة ، ولكن التنازع يكمن في التطبيق لهذه النصوص. هل أنّ لبنان والأجهزة الإدارية مؤهلة حقاً لمكافحة الفساد ؟ وهل أن النّية متوفرة للبدأ بتطبيق خطة ممنهجة عملياً للخوض في تذليل العقبات المتراكمة عبر عقود من الزمن للفساد وهدر المال العام؟ هل حقاً أننا مقدمون على تجريم ناهبي المال العام؟.
من الواضح أنّ هناك نية في الشروع في البدء بمكافحة الفساد لدى بعض الأطراف وهم قلّة قليلة ، يُقابله رغبة في البقاء من قبل أطراف أخرى لا زالت تطحنه حتى أفقرته . إن كل ما مرّ به لبنان ويمر به هو نتاج طبيعي لمماحكات وتجاذبات ، تجاوزت حدودها الطبيعية والمنطقية لأسباب ليست خافية على أحد.
وبالعودة إلى أهم التحديات التي تواجه تطبيق قوانين مكافحة الفساد في لبنان ، فلا بدّ من تأهيل الكادر الوظيفي الذي عايش القلم والورقة منذ ولوجه الوظيفة العامة وتحفيزه على استخدام الأجهزة الالكترونية الحديثة . خاصةً ، فيما بتعلق بتطبيق قانون حق بالوصول الى المعلومات لأنّ ذلك يتطلب إحلال استراتيجية الرقمنة كبديل عن الملفات المدونة يدوياً . أكثر منذ ذلك، إن تفعيل دور الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بحاجة إلى جهاز إداري معاون من ذوي الاختصاصات من أجل تسهيل المهام الموكلة إليها. أضف إلى ذلك ، دور الشعب اللبناني بالوعي بأهمية القوانين الحديثة من خلال المساهمة في تطبيقها لأن الغاية الأولى والأخيرة من تطبيق هذه القوانين هي تحقيق المصلحة العامة فهي الغاية والمُراد.
نختم بالقول، لا يزال لبنان يتأرجح بين تكريس مكافحة الفساد في النصوص وبين العبور إلى مكافحة الفساد بصورة حقيقية وفعلية. لم تنتهِ الحبال وكيفَ لها أن تنتهي ولبنان يسير على حبل التحدي الاقتصادي والمالي ! حقاً نحن أمام رهان صعب إما أن نبدأ بالتطبيق ونعبر دائرة الخطر إما أن نبقى في مستنقع الهدر والفساد.

