*أماني النَّجار خاص الأفضل نيوز*
أصبحت المياه سببًا للموت وليست سرًا للحياة في نهر اللَّيطاني... فهذا النهر الذي يمثّل الشِّريان الحيويَّ للقرى والمدن القائمة على حوضه، والمصدر الأساس لمياه بحيرة القرعون، يعتبر اليوم من أكثر الأنهار تلوثًا في العالم، إذ تصب فيه ما يُقارب ١٧٤ قناة صرفٍ صحيٍّ، إضافةً إلى مياه المصانع الملوثة بنسبة عالية من المواد الكيميائيّة والعضوية والجراثيم.
نهر الليطاني اليوم هو معملُ فرز نُفايات أو محطة تكرير أو قنبلة بيولوجيّة أو مجرور أو مخيم للّاجئين؟ هو كل هذا، وهو مصنع ملوّث، بلدية مهملة، مواطن غير مسؤول، دولة مفقودة، بيئة معدومة، ثروة حيوانيّة مهدورة، هدر للمال العام، وصورة مصغرة عنا وعن أزماتنا وعن انهيار الاقتصاد في الحوض، فالدولة المتداعية عاجزةٌ حتى اليوم عن تشغيل محطّات التّكرير التي هي إحدى أبرز حلول الصَّرف الصِّحي.
وفي مقابلةٍ خاصّةٍ للأفضل نيوز مع وزير البيئة ناصر ياسين قال: "إنّ هناك مسعى في البقاع الغربي لتأمين الكهرباء من مشروع اللَّيطاني؛ لأنّ تلوث المياه بشكل عام في لبنان، هو الموضوع الأخطر بسبب سوء الإدارة وفشل مصلحة الليطاني في الحدِّ من التلوث وتنظيف المجرى، إضافةً إلى الأضرار الجسيمة في صحة المواطنين سببه ٤٠ رافدًا ملوثًا تصب مياهه في النهر، وأنّ عددًا من محطات التكرير والمصانع تتسبب بالتلوث أيضًا، وعلى الرغم ممّا نقوم به من التعاون مع وزارة الطاقة ومصلحة مياه الليطاني من أجل إزالة التّلوث".
وأضاف: "بعد تعثر بعض محطات التكرير وانقطاعها عن العمل لفترات طويلة، قمنا بالتعاون مع الهيئات المانحة والبلديات لتشغيل المحطات والعمل على صيانتها، وهذا يحتاج إلى تغييرها بشكلٍ تدريجيٍّ، وهناك كلفة تتعلق بتأمين المحروقات وبالإدارة والصيانة، وتوفير المال اللّازم برسوم معينة، ومن أجل ذلك يجب العمل ضمن فترة انتقالية لدعم هذه المحطات. أما في زحلة، فقد تأمنّت الأموال لتشغيل المحطات، فيما تبقى المعامل الصغيرة قادرة على تأمين الكهرباء من الطاقة الشمسية".
التأثيرات السّلبية لهذا الواقع المرير، لم تعد تقتصر على الكلفة والخسائر الاقتصاديّة، بل تعدتها لتطال صحة عشرات آلاف المواطنين واللّاجئين القاطنين في القرى والبلدات الواقعة على ضفافه.
في هذا السّياق، سألنا وكيل داخلية البقاع، الأستاذ خليل سويد (ابن بلدة برالياس البقاعيّة التي شهدت أعلى نسبة من مرضى السرطان في البقاع)، قال: "إنني أسكن قرب النهر، ومياه الصّرف الصِّحي تفيض من النهر إلى بيوتنا منذ سنوات، وتسبّب مشاكل صحيّة خطيرة، لاسيّما منها الأمراض السرطانية، حيث سجلّت البلدة في الآونة الأخيرة ٦٠٠ حالة من مجمل عدد سكانها البالغ نحو ١٢ ألف نسمة، وهو من أعلى المعدلات في العالم".
مجمّعات سكنية ومخيمات لاجئين وجدت في مجرى النهر الحلَّ الوحيدَ للتخلُّص من مياه الصَّرف الصِّحي، ومع شحِّ مصادر المياه يستعين المزارعون بهذه المياه الملوثة لريِّ مزروعاتهم.
في هذا الصَّدد، يشرح لنا وليد عبدالكريم الميس (مزارع) السَّببَ الذي جعل من منطقة البقاع الأوسط بدءًا من بعلبك وحتى القرعون، منطقة منكوبة زراعيًا؛ لأن المزروعات تُروى بمياه النّهر التي يشكّل الصَّرف الصِّحي معظمها في فصل الجفاف، قال: "إنّ عدم تطبيق القوانين والتّعدي الفاضح على البيئة والنهر من قبل بعض البلديات وبعض أصحاب المصانع والمستشفيات، جعلت مياه النهر في الحوض الأعلى غير صالحة للريِّ وليس للمزارع بديل عنها في باقي أجزاء الحوض، وبالتالي فهي تسبّب مرض وموت مواطنين آخرين ذنبهم أنهم يسكنون إلى جوار النّهر أو يأكلون من سمومه".
أمام الأخطار البيئية الناجمة عن تلوث نهر الليطاني وأضرارها الجانبية على مختلف النّواحي الحياتيّة، الصّحية، الزّراعية، الثّروة الحيوانية، السّياحية، والدّورة الاقتصاديّة بشكلٍ عامٍ، يبرز التّساؤل عن الجهة المسؤولة عن الحلِّ، هل هي البلديّات أم الدولة؟.

