سركيس نعوم- النهار
الجهات السياسية اللبنانية غير المعادية للولايات المتحدة ولكن المتذمّرة دائماً من انحيازها الى إسرائيل "على العمياني" كما يُقال وغير المقتنعة بجدّيتها في مساعدة لبنان على التوصل الى تفاهم غير مباشر بواسطتها على ترسيم الحدود البحرية بينهما، الجهات هذه تعتقد هذه المرة أن الإدارة الأميركية جدّية في مسعاها لإنجاز الترسيم وتالياً لتمكين لبنان من التنقيب عن الغاز ضمن حدوده واستخراجه في حال وجوده والإفادة منه ببيعه الى الدول التي تحتاج إليه.
أما حرب روسيا على أوكرانيا التي بدأت قبل نحو ستة أشهر إلا بضعة أيام فقد شغلت من دون أدنى شك أميركا ومعها أوروبا بل العالم كله خوفاً من تطوّرها بحيث تصبح حرباً مباشرة بين روسيا من جهة والدول الغربية الكبرى وفي مقدمها الولايات المتحدة. وشغلت العالم أيضاً بآثارها السلبية على إقتصادات دوله المتقدمة والمتوسطة التقدم والمتخلّفة. وشغلته أكثر بالعقوبات القاسية جداً التي فرضتها الجبهة العالمية الداعمة لأوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي لأراضيها على روسيا التي يساعد غازها منذ عقود أوروبا على مواجهة صقيع الثلج والمطر في فصلي الخريف والشتاء.
إذ أن تدفق الغاز الروسي على الدول المشار إليها خفّ كثيراً الأمر الذي دفع العالم الغربي ولا سيما الأوروبي بزعامة واشنطن إلى العودة إلى ما كانت تسعى الى التخلّص منه بسبب تلويثه للبيئة بالاعتماد على الغاز الروسي مثل الفحم الحجري والمفاعلات النووية. إلا أن الانشغال المتنوّع المذكور لم يُلهِ واشنطن عن الإهتمام بلبنان وبترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل. على العكس من ذلك فهو الدافع الأبرز لها على الأرجح لإظهار جدّية حقيقية في الاهتمام خلافاً لمرات كثيرة سابقة ولا سيما منذ بدء محنه عام 1975 التي لم تنتهِ حتى الآن رغم اعتقاد شعبه أو شعوبه أنها انتهت أكثر من مرة منذ تلك السنة حتى اليوم. السبب هو حاجة أوروبا في الدرجة الأولى الى الغاز وقبل حلول فصلي الشتاء والخريف، ومنه الغاز اللبناني في حال وجوده بكميات قابلة للاستثمار والغاز الإسرائيلي الثابت وجوده بكميات كبيرة والحاجة إلأى الاستخراج وتصدير إلى الدول المحتاجة إليه.
في هذا المجال تشير الجهات السياسية نفسها إلى أن الولايات المتحدة وقّعت عقوداً مع مصر الغنية بدورها بالغاز والقادرة على إسالته تمهيداً لتصديره إلى مقاصده النهائية بالبواخر نصّت على استخراجه وإرساله فوراً إلى الدول المحتاجة إليه في أوروبا. هذه الأسباب كلها، تؤكد الجهات نفسها أن واشنطن جدية في وساطتها الترسيمية بين لبنان وإسرائيل. لهذا السبب أرسلت موفدها الرسمي آموس هوكشتاين إلى لبنان وإسرائيل أكثر من مرة في الأشهر الماضية. وقد نُقل عنه أخيراً قوله في إجتماع له مع مسؤول إسرائيلي أن بلاده متمسكة بترسيم جدّي للحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.
ماذا عن مهلة إنجاز الترسيم التي يُقال أنها تنتهي حوالي منتصف شهر أيلول المقبل، والتي يُفترض أن يُتفق خلالها على ترسيمٍ للحدود البحرية بين دولتين هما في حال حرب منذ 1948 رغم الهدنة الموقّعة بينهما عام 1949، ولا سيما بعدما دخلت إيران الإسلامية على الخط بواسطة الحزب المقاوم التي ساهمت في تأسيسه وفي جعله قوة عسكرية محلية وإقليمية مهمة أي "حزب الله"، ومكّنته من تحرير معظم ما احتلته إسرائيل من أراضٍ لبنانية منذ عام 1978 ومن خوض حرب معها عام 2006 ومن إفشالها في تحقيق أهدافها منها؟ الجواب الذي تقدمه الجهات السياسية اللبنانية نفسها يرجّح التوصل خلال المهلة أي حوالي منتصف أيلول الى ترسيم للحدود البحرية، وذلك بعد نجاح لبنان وإسرائيل عبر هوكشتاين في التوافق على أمور عدة مثل استبعاد الخطوط المتعرّجة والتصدير المشترك للغاز والإستخراج المشترك له وكذلك الاستثمار المشترك ولا سيما في قانا وكاريش، كما مثل عدم إفادة إسرائيل من أي مساحة ولو قليلة من البلوك رقم 8. ويرجّح الجواب نفسه استمرار التفاوض غير المباشر بين لبنان وإسرائيل عبر الوسيط الأميركي لكن مع استمرار وقف أعمال الثانية في حقل كاريش رغم أنها صارت جاهزة لإخراج الغاز وبيعه وتصديره.
"حزب الله" لا يمانع في ذلك لكنه يقول استناداً إلى معلومات متابعين لتحرّكه "نحن نتابع ما يجري من تفاوض وننتظر نهايته. لكننا لن ننتظر تفاوضاً الى ما لا نهاية". ودوافع "الحزب" الى هذا الاستدراك كثيرة منها ما تردّده جهات أميركية عدّة عن ضعف إدارة الرئيس بايدن وتالياً عن تطورات دراماتيكية لحرب روسيا على أوكرانيا تدفع الأولى وأميركا إلى الاشتباك مباشرة الأمر الذي يعطّل كل شيء في العالم لا فقط المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.
ومن دوافعه أيضاً عدم ارتياح "الحزب" إلى تأجيل الوصول إلى ترسيم نهائي إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة في تشرين الأول المقبل مع استمرار تجميد العمل في حقل كاريش. السبب هو احتمال فوز بنيامين نتنياهو وحزبه "ليكود" بعدد مقاعد نيابية أكبر من مقاعد كل من الأحزاب الأخرى في الانتخابات المذكورة وتكليفه تبعاً لذلك تأليف حكومة ثم نجاحه في هذا الأمر. فهل يستمر نتنياهو في الترسيم رغم حاجته إلى استمالة يمين إسرائيل كله ورغبته في مواجهة بايدن الساعي إلى إحياء الاتفاق النووي مع إيران رغم إضراره ببلاده أي إسرائيل. علماً أن الإحياء هذا قد يكون تم التوقيع عليه قبل الانتخابات الإسرائيلية.

