الدُّكتورة هيفاء سليمان الإمام - خاص الأفضل نيوز
في بداية القرن الماضي ومع بداية تصدير النّفط والنّهضة العربيّة كانت فلسطينُ رمزاً للعواصم العربيّة وقلباً للتّعاطف الدّولي، أما اليوم فقد أصبحت ما يسمى بـ"إسرائيل" رمزاً للسلام وقلباً للاستثمارات الاقتصاديّة مع الدُّولِ العربيّةِ. فماذا حدث؟ وما الذي تغيّر؟.
إن توقيع اتفاقيّة كامب ديفيد مع السّادات وتوقيع اتفاقية أوسلوا مع عرفات، والتّطبيع مع الأردن، كانوا الإسفين الأول الذي ضرب في جسدِ الأمّةِ وقضيّتها، فقد استولى الكِيانُ المحتلُّ على قرابة ال99 بالمئة من أوراق الحقِّ التي كانت بيد العرب، والّتي أدَّت إلى نتائجَ أقلها ما وصلنا إليه الآن من التّنازل عن القدس والأقصى، ودون تحقيقِ أيِّ نتائجَ إيجابيةٍ لشعوبهم، اإلا مزيدًا من الفقر والجوع والاضطراب.
وقد لعبت السِّياسةُ الأمريكيّةُ طوال السَّنوات الماضية دوراً هاماً يعكس صورةَ كِيانِ العدوِّ كأُنموذجٍ يجب الاحتذاء به، أو على الأقل عدم المساسِ به، فإما أن تقبلوا بالأمر الواقع وإما لا علاقات بيننا وبينكم، فإن اخترتم الأولى كان خيراً لكم وأسلمَ. فإسرائيل اليوم كانت ومازالت عبئاً اقتصاديًّا على الإدارة الأمريكيّة، وما برحت تندرج تحت مفهوم "الدُّول الرَّيعيّة" أي الدّول التي تعتمد في اقتصادها على المساعدات الخارجيّة أو على تشغيل إقطاعاتها من قبل الدُّول الأخرى، واليوم وبعد أكثر من سبعة عقود على إعطائها أرض فلسطين وطناً لها، بدأ العالمُ يبحثُ كيف يجعل من هذه الدّولةِ الريعيّةِ دولةً منتجةً تعتمدُ على نفسها للتّخلص من هذا العبء، وكونها تقع في منطقة الشّرق الأوسط، وُجب على جميع الدُّول العربيّة المُطبِّلة للتّقاربِ الأمريكيِّ بأن تدفع فاتورةَ إسرائيلَ اقتصاديًّا وفاتورةَ الخيانةِ عربياً.
ولكن سوءَ التّثقيف والاستهتار كارثةٌ فضحت شرائحَ المثقَّفين في المجتمعات العربيّة. فمن المتعارف عليه أنّ كلَّ خائنٍ يختلقُ لنفسه ألف عذرٍ وعذر، ليقنع نفسَه بأنّه فعل الصّوابَ!!
ورغم أنّ التّطبيع مع المجرمين والعنصريِّين كلَّه رجسٌ ودناءةٌ، إلا أن التّطبيعَ مراتبُ والخيانةُ درجاتٌ. فثمّة من يطبّع مع الصهاينة بطرقٍ سريةٍ ولا يجاهر بفاحشةِ التّطبيع، وهذا على الأقل يحافظ على الوعيِ الجمعيِّ بتجريم التّطبيع.
وثمة من يتجاوز كلَّ الحدودِ ويصل إلى ذروة الفجور في التّعاون مع المغتصبين وخيانة قضايا العرب والمسلمين، مع التآمر العلنيِّ على تصفية القضية الفلسطينيّة، ومحاولة توطين قواعدَ عسكريّةٍ ومخابراتيّة للصّهاينة في مناطق أخرى في الوطن العربي، والتّعاون الشّامل مع الصّهاينة لمحاربة الهُوية الإسلاميّة، وفتح نوافذ الاختراق الثّقافي لإلقاء المودّة إلى قتلة الأطفال والنِّساء ومغتصبي الدِّيار والمقدَّسات. ويشجع على هذا الاختراق ويقوم برعايته ومحاولة غسيل الدِّماغ للأجيال القادمة وتغييب قضيّة القدس والأقصى.
وفي الحقيقة أنّ الحرةَ تموتُ ولا تأكل بثديها، لذلك ما أنتم إلا مرتزقة لا تمثلون بلادكم، فما زالت أوطاننا العربيّة تعجُ بالشرفاء والأوفياء الذين ما زالوا متمسِّكين بحقوق القضيّة الفلسطينيّةِ وثوابتها الوطنيّة. ولكن، وللأسف فمراحل التّطبيع ستكون شعارَ الفترةِ المقبلةِ، والخيانةُ أصبحت حلاً أو بأقلّ تقديرٍ وجهةَ نظرٍ.
كيف لنا نحنُ من يحمل رايةَ الجهاد ِوالمقاومةِ لتحرير هذه الأرض طوال هذه العقود بأن نخونَ ترابَ هذا الوطن، كيف لسُذَّجِ الثّقافة وبكلِّ بساطةٍ بأن يقرّوا بأن خيانة فلسطين العربيّة القومية هي حلٌّ!؟
أما بعد: فإننا نقول لكلِّ المهرولين من أجل التّفاوض مع العدو ِّالاسرائيليِّ! إنّ مبادئنا التي ما زلنا نحافظ عليها ولن نتنازل عنها مهما كانت الضغوطُ والمغرياتُ وهي لا صلح لا تفاوض لا اعتراف، وما أُخذ بالقوّة سوف يعود بالقوّة ما بقي في أمّتي أحرارُ شرفاءُ.
فالتّطبيع خيانةٌ، ولم ولن تكون الخيانةُ حلّاً.

