ريما الغضبان - خاص الأفضل نيوز
في بلدٍ ينهارُ يومًا تلوَ الآخر... ينامُ على مصيبةٍ ويستيقظُ على أخرى، تموت معه أحلامُ الشباب مع مرور الوقت، فتحول تلك الأزمات الشباب من ناشطٍ ومنتجٍ إلى عاطلٍ عن العمل بنسبٍ مخيفة، سرقت مستقبلهم، فضاقت بهم السُبل، وأصبح البحث عن عمل، مهنةً متعبتًا بحد ذاتها.
من الأزمة الاقتصادية الى الكورونا فإنفجار المرفأ الذي أطاح بكل الآمال والأحلام، اتسعت دائرة العاطلين عن العمل في لبنان. وأصبحت أرقام البطالة مخيفةٌ، حتى أن بعضهم قارنها بعداد كورونا، واعتبرها أصعب وأخطر من الفيروس نفسه فهي داءٌ من نوعٍ آخر.
تقريرٌ صادمٌ عن ارتفاع نسبة البطالة في لبنان
لطالما كانت البطالة ظاهرةٌ اجتماعية يعاني منها لبنان، ولكن ليس بهذه الخطورة. وقد أكد على هذا تقريرٌ أصدرته إدارة الإحصاء المركزي بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، حيثُ أظهرت ارتفاعًا في معدل البطالة في لبنان من 11.4% في الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2019 إلى 29.6%في كانون الثاني 2022، وهذا يعني أن ثلث القوى العاملة الناشطة كانت عاطلةً عن العمل مطلع هذا العام، مما يعني أن النسب ما زالت في ارتفاع مضطرد، فالأزمة الاقتصادية تتفاقمُ يوميًا، والأمر الذي زاد "الطين بلةً" هو ارتفاع سعر الدولار الذي جعل من كل المداخيل غير كافية حتى لشراء الطعام.
وتشيرُ الدراسة نفسها إلى أن نسبة البطالة في صفوف النساء أعلى مما هي عليه لدى الرجال، كذلك ارتفع معدل البطالة لدى الشباب من 23.3% إلى 47.8%. كما انخفض معدل العمل نسبةً إلى عدد السكان من 48.8% إلى 30.6%.
وبحسب المسح الذي أجرته منظمة العمل الدولية الذي شمل عينةً من 5444 أسرةً من مختلف المحافظات اللبنانية، فإن العمالة غير المنظمة، أي تلك التي لا تغطيها الترتيبات الرسمية ونظُم الحماية الاجتماعية، تمثلُ أكثر من 60% من مجموع العمالة في لبنان.
ووجد المسح أيضًا أن 30% من العاطلين عن العمل يبحثون عن عمل لفترةٍ تزيدُ عن السنتين، و19% لفترةٍ تمتدُ من سنة وسنتين، ما يعني أن حوالي نصف العاطلين عن العمل في عام 2022، هم من صفوف البطالة الطويلة الأمد التي تزيدُ عن فترة السنة.
البطالة: سرطانٌ إجتماعي
العمل جزءٌ أساسٌ من حياتنا، فهو لا يوفر للإنسان الأمن الاقتصادي والغذائي فحسب، بل هو غذاءٌ للروح. ويُعد مصدرًا للرفاهية والعيش بسلام. وفي حديثٍ خاص للأفضل نيوز، يقول المتخصص في الإرشاد النفسي والاجتماعي عبد الله جراح: "العمل هو عبارة عن اكتفاءٍ ذاتي، اجتماعي، نفسي، يخلقُ لدى الإنسان مسؤولية تجاه العمل، وتعطيه نشاطًا فكريًا وذهنيًا واجتماعي، وتجعل منه عنصُرًا فاعلًا في المجتمع".
أما في حال التوقف عن العمل، تنقلب حياة الإنسان رأسًا على عقب، فتحوله من إنسانٍ منتجً إلى إنسان مستهلك فقط. الأمر الذي يخلق لديه مشاكلَ نفسيةً، وهنا يؤكد الجراح "أن العاطل عن العمل، يمرُ بظروفٍ صعبة تودي به إلى مشاكل نفسية وصحية، ومنها الخروج عن المألوف وتعلمُ العادات السيئة كالسرقة والاحتيال، كما وتجعل منه في كثيرٍ من الأحيان إنسانًا مدمنًا على المخدرات والكحول. ويضيف: " يصاب العاطل عن العمل بالقلق والاكتئاب، الصداع المزمن، آلام الظهر، الأمراض القلبية وغيرُها الكثير".
ويشيرُ الجراح: " إلى أن البطالة تخلُق مشاكل أسرية ومنها العنف بكافة أشكاله (جسدي، لفظي، معنوي)، وفي حال كان الشخص العاطل عن العمل غير متزوج فإن حالةً من النفور وعدم الاستقرار تنشأ مع عائلته".
إن الأسباب الأولى التي أدت إلى البطالة، هي الأزمة الاقتصادية التي يمرُ بها لبنان، ولكن هناك نفسية خلقتها الثقافة الاجتماعية الخاطئة المتوارثة، وهي عدم تقبل العمل في أي وظيفة الا نسبًا قليلة من الشباب اللبناني. فهناك الكثير من الشباب، يرفُض فكرة العمل في أي قطاع، فعلى سبيل المثال إذا كان يحملُ شهادةً فإنه لا يتقبل فكرة العمل في اي مطعم أو مؤسسةً عادية. وعن السبب الأساسي لهذا التفكير الخاطئ، يقول الجراح: "التنمر هو أساس المشكلة، مما يخلق لدى الأنسان خجلًا من العمل الذي يقوم به، ولكن هذه الصورة بدأت تتغيرُ شيئًا فشيئًا، فهناك نسبةٌ واعية ومثقفة تريد (السترة) ولا تأبه لنوعية العمل الذي يعمل به". وينصح الجراح الشباب بالبدء في أيّ وظيفةً كانت فعدم الاستسلام يدلُ على التفكير الذهني والثقافي الواعي".
هل من سُبلٍ تخففُ من وطأة المصيبة؟
إنّ فقدان الوظيفة ليس بالأمر السهل، ولكن على الإنسان أن يتحلّى بالصّبر والبحث الدائم عن فرصًا جديدةً. وفي هذا الصدد قدّم الجراح بعض النصائح للحفاظ على الصّحّة النفسية أثناء هذه المرحلة ومنها: "الاستمرار بممارسة النشاطات اليومية عند الشعور بالإحباط، كالمشي أو السباحة، التأمل الذي يُساعد على إنقاص مستويات التوتر، الحفاظ على علاقات اجتماعية جيدة، فمن الممكن أن تُساهم هذه الأخيرة في إيجاد فرص عمل جديدة". ولكن تبقى هذه النتائج غير مجدية في حال لم يتحلّ الإنسان بالصبر والإرادة، والوثوق بأن هذه الحال ستمر.
خريجو الجامعات: يصطدمون بسوق العمل
رغم كل الأزمات، لم يستسلم الشباب اللبناني، فكانت نسبة الخريجين في لبنان كبيرةً الأمر الذي يعكس حُب العلم والأمل بالمستقبل وبلبنان الأفضل، الا أن المشهد صادمٌ بعد التخرج، حيث تبدأ معاناة الخريجين مع سوق العمل. وما بين قسمٍ لا يقبل بعملٍ لا يتناسب مع الشهادة التي حصل عليها، وآخر يريد فقط تأمين قوت يومه، بغضّ النظر عن نوع العمل.ترتفعُ نسبُ البطالة وتضيعُ الأهداف. وفي هذا الإطار يتحدث بعض الخريجين للأفضل نيوز، يقول حمزة محمود: "لقد تخرجتُ هذا العام من كلية الهندسة، وبدأت البحث عن عمل، لكنني لم أفقد الأمل، حتى توظفت كمحاسبًا في إحد المطاعم". أما سارة البيات تقول: "أنهيت دراستي منذ عامين، ولكنني لم أجد الفرصة المناسبة بعد. وأفضّل الانتظار على أن أعمل في مجالٍ لا يناسبني".
تختلف وجهات النظر، وتبقى مشكلة الشباب واحدة، فمنهم من يريد فقط (السترة) حسب ما يقولون، والبدء بفرص عمل بسيطة وآخرون لا يريدون تقديم أي تنازلات من أجل الحصول على فرصٍ أفضل في المستقبل. ما بين ظروفٍ اقتصادية قاهرة، وفرصِ عملٍ ضئيلةٍ، يبقى حلمُ الشباب اللبناني بناءُ مستقبلٍ ناجح في لبنان دون اللجوء إلى السفر الذي بات الحصول على تأشيرتهُ السبيل الأول لنجاح كل الشباب، في بلدٍ غير قادر على تأمين "بكرا أحلى" لهؤلاء. فهل من ومضة أملٍ تنيرُ دروبهم في هذا النفق المظلم؟

