أماني النَّجار_ خاصّ الأفضل نيوز
يعتبر البقاعُ إهراءَ لبنان الزِّراعي، حيث إنه ينتج الحبوب والفاكهة والزيتون والمحاصيل الصناعيّة والخضار، ويشكّل ما نسبته ٧% من النّاتج الإجماليّ الكليّ. وفي ظلِّ الأزمة الاقتصاديّة التي يعاني منها لبنان، عاوَد معظمُ السُّكان الاهتمام بالزراعة، لكنهم لا يستخدمون البذور جيّدة النوعية، وذلك نتيجةً لمجموعة من العوامل أبرزها: انخفاض كفاءة نُظم إنتاج البذور وتوزيعها، وضمان جودتها، إلى جانب غياب السّياسات والتّشريعات التنظيميّة من قبل الدّولة في مجال إنتاج البذور والاعتماد شبه الكلّي على الاستيراد من الخارج.
ومن أجل معالجة هذه المعوّقات، أُنشِئت محطةُ أبحاثٍ للبذور في سهل البقاع - قب الياس، من قِبل سيد باوند، حيث تمّ إجراء بحوثٍ زراعيةٍ على مئات الأصناف من بذور الحبوب والخضار والفاكهة، بما يتناسب مع مناخ كلِّ بلدٍ وتربته.
تعمل شركة "سيد باوند" على تطوير أصناف محسّنة من بذور الخضروات، وتزويد القطاع الزراعي في جميع أنحاء العالم بأدواتٍ أكثرَ إنتاجيةً وربحيةً، وذلك باستخدام تقنياتِ تهجين متطورة واختبارات عملية مكثّفة، تمّكن من الحصول على أصناف البذور المتقدمة بتكلفةٍ معقولةٍ. كما تؤمّن محطة الأبحاث، التي تمتد على مساحة 25 هكتار، كل الأدوات اللاّزمة لعمل التجارب الموسّعة على جميع الأصناف، وتشكّل في الوقت نفسه أداةً لتطوير الإنتاج وإدخال العديد من الأصناف الجديدة إلى الأسواق ضمن باقاتِ المحاصيل المختلفة.
وفي مقابلةٍ خاصة لمدير شركة سيد باوند المهندس أنيس حدّاد قال: "افتتحنا محطة أبحاثٍ متخصصةً للبذور فقط، وقد اخترنا منطقة قب الياس، نظرًا لتوفر المياه وخصوبة التربة، ولكن اصطدمنا بمشكلة تملُّح الأرض قليلًا؛ بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية في فصل الشتاء".
وأضاف حدّاد: "تهدف هذه الشركة إلى تأصيل البذور وتهجينها لإنتاج أصنافٍ عديدة من الخضار، وبدأنا بإنتاج بذورٍ تجريبيةٍ لقياس مدى قدرة لبنان على إنتاج مستوى عالمي من البذور الزراعية، سيّما وأننا نصدّر ل ٤٨ دولةً، منها العراق والجزائر وتونس وإيران وليبيا ومصر وسوريا واليونان وإسبانيا وإيطاليا وبناما وجنوب أفريقيا وغيرها... ونحن سنسعى لاحقًا لإصدار قانون من قِبل مجلس النواب لإنتاج البذور في لبنان عوض استيرادها، فلبنانُ لا ينقصه الإمكانات البشرية ولا العلمية، إنما يحتاج نصوصًا وقوانينَ ترعى هذا القطاع، وتحمي الملكيةَ الفكريةَ".
وكشف حدّاد عن "سلسلة اتصالات أجراها لقوننة هذا المشروع مع مجلس النواب؛ من أجل المطالبةِ بإصدار القوانين التي تؤمّن له الغطاء لنقل أعماله التي يقوم بها في الخارج إلى لبنان".
وردًا عن سؤال عن الضمانة التي تقدّم إلى المزارعين قال: "إنني أقدّم نوعية جيدة للمزارع بكلفةٍ رخيصةٍ، والضمانة هي التجارب التي أجريناها في المساحة التي نشغلها"، مضيفًا "يجب أن نستحدث زراعةً بديلةً في البقاع هي زراعة إنتاج البذور، ونقوم عندها بالتعاقد مع المزارعين، ومدهم بالبذور بأسعار أقلّ من الأسعار السّائدة في السّوق بنسبة ٥٠%".
لبنانُ الذي يعاني إهمالًا في المجال الزراعي في العقود الخمسة الأخيرة، يسعى لأن يُعيدَ مجدَه الزراعيّ اليوم من خلال مثل هذه المشاريع. في هذا الصدد، سألنا المهندس الزراعي في شركة سيد باوند علي رفاعي فقال: "إنّ محطة الأبحاث الزراعية هي واحدةٌ من أكبر المحطات الزراعية في الشرق الأوسط، بمساحة تبلغ 250 دونمًا مقسّمة ما بين إنتاجٍ والأصناف غير الهجينة، وقسم منها للتجارب الخاصة بالشركة".
وأكدّ الرفاعي لموقعنا: "إنّ لبنان رائدٌ منذ الزمن القديم في هذا المجال، ومعظم الشركات العاملة في هذا الحقل في الشرق الأوسط كانت تعمل عبر لبنان، ورَغم الظروف التي تمر بها الشركةُ يلعب لبنان ومحطتنا الدورَ الأساس، سواء محليًا أو في سائر الدول التي نتعامل معها".
تتفانى شركة سيد باوند في إنتاج أصنافٍ متقدمةٍ وجديدةٍ تتناسب مع المواصفات العالمية في إنتاج بذور عالية الجودة بتكاليف أقل، حيثُ يمكن أن توفرَ المزيد من الأرباح، وتترك بصمةً في صناعة البذور كأول شركة بذور عربية تتمتع بمكانةٍ رياديةٍ عالميةٍ. هذا ما أكدّه لموقعنا المهندس الزراعيّ سليمان إمام الذي قال: "أتعامل مع الشركة المذكورة منذ أربع سنوات ولديهم بذور متميّزة جدّاً، أشتري منهم بذور خيار وبذور طماطم وبذور أعلاف، والمسؤول عن هذه التجارب هو المهندس طوني طعمة من بلدة الخربة".
بدأت منتجاتُ محطةِ سيد باوند تلقى قبولًا لدى المزارعين الذين يبحثون عن النوعية الجيّدة، والسعر المنخفض في ظلّ غلاء الدولار. وفي غضون ذلك، التقينا المهندس حسام قزعون الذي أشار لموقع الأفضل نيوز: "إنه قام بشراء البذور من محطة سيد باوند، ولاحظ أنها ذات إنتاجية عالية لكنها بحاجة لاهتمام أكبر من المزارع، وأنه على المزارع رش المبيدات في الوقت المناسب، واستخدام الأسمدة بشكل مدروس، إضافة إلى الالتزام بِ (عدان) الري؛ ليحصل على الإنتاج الوفير وعالي الجودة".
وأبلغنا قزعون: "إنه سيستمرّ في التعامل مع المحطة في بعض أنواع البذور كالكوسا والذرة؛ لأنها ذات نوعية جيّدةٍ وأسعار مناسبةٍ"، مُبديًا "استعداده لإنتاج البذور في لبنان نظرًا لارتفاع الطلب عليها محليًا وعالميًا؛ ولأنّ إنتاجها محليًا يخفّض من تكلفة الانتاج الزراعي على المزارعين".
إذا نظرنا إلى مستقبل، فإنّ اعتراف الحكومات بأهمية إنتاج البذور هذا، لدى صغار المزارعين، قد يفتح البابَ أمام مواصلة تحسين السّياسات؛ بُغية دعم إنتاج البذور، وتحسين الاتصالات بمراكز البحوث. والسؤال هنا، ألا يعتبَر إنتاجُ البذور خطوةً مهمةً في التحوّل من اقتصادٍ ريعيٍ يعتمد على الإستيراد، إلى اقتصاد إنتاجي يسمح بزيادة قيمة الصادرات؟.

