ريما الغضبان - خاصّ الأفضل نيوز
لم تعُد المشاهدُ غريبةً في لبنانَ، فبين القتل العَمد، السّرقة، الجوع وغيرها الكثير، أصبح الهرب من احتفالات النّجاح والأعراس أمرًا مرعَبًا يعيشه اللّبنانيُّ في كل يومً مع كل زفّة عُرس ونجاح تلميذ. فاللبنانيُّ لا يفرح إلا بالرَّصاص، وكأنَّ الأمر سيزيدُ من بهجة الحفل.
في كلّ صيفٍ تزدادُ أعداد الاحتفالات، ليرتفع معها عَّداد الضّحايا (ضحايا الجهل والتخلف). ومع كل زفافٍ أو نجاحٍ رصاصةٌ طائشةٌ تخترقُ حياة الأسر التي لا ناقة لها ولا جمل. كل ذنبهم أنّهم يعيشون في لبنان... بلدٌ بلا رادع وسُلطةٌ حدّث ولا حرج.
أما الشعب الذي يقعُ عليه اللوم الأكبر، فهو أساس المصيبة. فقد غرُس في ثقافتهم أنّ إطلاق الرصاص هو نوعٌ من أنواع التعبير عن الفرح، والأمر الذي يجعلنا نفقد الأمل هو معرفتهم بخطورة ذلك إلا أنهم ما زالوا يمارسون هذه العادة خصوصًا في القرى والبلدات اللبنانية.
خليل ضحيةُ "عُرس الأحد"
"كان ابن السّبع سنواتً، إبراهيم خليل الّلويس، (سوري الجنسيةمن سُكان بلدة المرج البقاعية) يتناول فطوره في باحة المنزل الخارجية صباح الأحد 28 من شهر آب، وإذ به يصرخُ بصوت عالٍ " كتفي" فهرعت أمه لترى ما الذي حدث فوجدت طفلها ملطخًا بالدماء". هكذا يروي ابن عم الطفل للأفضل نيور.
خليل، ضحيّة الرصاص الطائش الذي تطاير في سماء بلدة المرج صباح الأحد في حفل زفاف. وياتبع ابن عم الطفل: "خليل يقبعُ الآن في العناية المشددة في مشفى البقاع، ويحتاج إلى 100 مليون ليرة لبنانية لتغطية تكلفة العلاج في حين يعيشُ برفقة والدته دون معيل".
خليل ضحية منّ تعلم حمل السلاح دون تعلم حمل مسؤوليته، فكلٌ عاد إلى منزله بعد لهوٍ طويل. وبقي الطفل على"خليل" سرير المشفى يُصارع الموت. فهل سينجو؟ وأين هي السُلطة من هذا؟.
في حديثٍ خاص للأفضل نيوز مع شاهد عيان يقول: "ليس هناك من رادعٍ في هذه الدولة، فالجميع يعلم بمصاب الطفل، ولكن لم يتنازل أحدٌ من أهالي البلدة حتى للسؤال عن وضعه الصحي وهل يحتاج المساعدة؟.
سلاحٌ متفلّتٌ يسلبهم عيونهم
بات حمل السّلاح غير المُرخّص ظاهرةً لا تحتمل ولا تُغتفر، فبدون صفةٍ عسكريةٍ أو رخصةٍ يُحازُ السلاح يمينًا وشمالًا بلا حسيبٍ ولا رقيب. وبعيدًا عن سلاح الاحتفالات، هناك السلاح غير الشرعي الذي يُستخدم بشكلٍ كبير بحجِة الدفاع عن النفس تحديدًا في المناطق العشائرية. غير أنهم لا يكتفون بالتهديد، بل يستعملونه دون الشعور بالذنب أو حتى بالمسؤولية.
وهذا ما فعلهُ بعضُ الشبان منذ عدة أسابيع في بلدة قب الياس البقاعية، حيثُ أقدموا على إطلاق النار على ثلاثة مراهقين سوريين (نجم عبد الله، محمد حماد، أحمد العايش)، بعد خلافٍ حول المحصول الزراعي. وفي حديثٍ خاص للأفضل نيوز يقول عمُ الضحايا الثلاثة: "أقدم شابٌ على إطلاق النار عليهم، بعد الخلاف الذي حصل. وكان السلاح موجّهًا بشكلٍ مباشرٍ عليهم، فكانت النتيجة خسارة كلٍ منهم عينهُ".
أما عن التغطية المالية لتكاليف المشفى يقول عم الشبان الثلاثة: "لم يتكفل أحدٌ بالعلاج لذا اضطررنا لنقلهم إلى سوريا لاستكمال العلاج بأقل تكلفةٍ ممكنة". ويزيد: "لقد تم الاستعانة بطبيبٍ شرعيٍ حيث أكد في تقريره أن هذا شروعٌ بالقتل العمد".
وكان لافتًا الحدثُ الأخير في بلدة المرج الذي ضجت به وسائلُ الإعلام اللبنانية عن محاولة مدير مدرسة غرين وود إطلاق النار على عددٍ من الأطفال الذين كانوا يلعبون في باحة المدرسة.
لم يسلُب السلاح المتفلت حياة الشبان الثلاثة ولا حتى الطفل خليل ولا أطفال مدرسة غرين وود، ولكنه لم يجعل في أجسادهم نُدبةً لا تُنسى فحسب، إنما زرع في قلوبهم ونفوسهم الخوف.
عدّادُ الإصابات البشرية إلى ارتفاعٍ " كل من إيدو إلو"!.
سبعةُ قتلى و15 جريحًا سنويًا، هو معدل ضحايا الرصاص الطائش في لبنان وفق دراسةٍ ل "الدولية للمعلومات" نُشرت في سبتمبر 2021، وأحصت خلالها سقوط 81 قتيلًا و169 جريحًا بين عامي 2010ـ2021. كما وتقدر الدراسةُ عدد حاملي السلاح غير الشرعي ب 1,927,00، أي ما يساوي نحو ثُلث عدد سكان لبنان. ما يعني أننا نعيشُ في بلد "كل مين إيدو إلو".
يقول جمال فياض في تغريدةٍ له عبر تويتر: "تشيرُ المعلومات إلى أنّ عددّ الإصابات البشرية من رصاص الابتهاج السخيف كان كبيرًا". ففي كل عامً، ومع صدور نتائج الامتحانات الرسمية، يتطاير الرصاص في سماء لبنان، ليجرف معه أرواحًا بريئةً، كل ما فعلته هو أنها ولدت في لبنان.
الرصاص الطائش يخترقُ ألواح الطاقة الشمسية
لم تكن الخسائر بشريةً وجسديةً فقط، بل تجاوزت حرمةَ المنازل لتحصد مئات ألواح الطاقة الشمسية التي أقبل عليها اللبنانيون بكثافة لمواجهة أزمة إنقطاع الكهرباء التي باتت شبه معدومة في البلاد، واستثمروا فيها بكل إمكاناتهم المتبقية في ظل الأزمة الاقتصادية والشلل الكامل في لبنان.
وعلى الرغم من أنّ كلّ مُطلقي النار على خطأ، إلا أن النصف الآخر المتضرّر من الشعب بات يناشد حاملي السلاح الرأفةّ بهم وبألواحهم، فهم غيرُ قادرين على تحمُّل أيّ خسائر ماديةٍ إضافيةٍ.
لا الشعب يرأفُ بالشعب، ولا من سُلطةٍ تكترثُ لشعبها. فالرصاص الطائش يُهددّ حياةَ اللبنانيين وكل المُقيمين على الأراضي اللبنانية في كل لحظة، فقط لأن جاهلًا أراد الاحتفال برصاصةٍ مميتةٍ أو أن متخلفًا آخر قرر أن يأخذ حقهُ بالقوة، دون أن يُدرك بأن الرّصاصة التي تخرُج في لحظة ستتركُ جروحًا عميقةً لا يمحوها الزمن في قلوب الكثيرين. فهل سيُدرك الشعب خطورة الرصاص الطائش في ظل غيبوبة الدولة التي على ما يبدو أنها لن تستفيق؟!.

