قمر صالح - خاصّ الأفضل نيوز
بينما يتكبَّد المواطنُ عناءَ العيش في لبنان، محاطًا بدوّامة فشل الدَّولة على الأصعدة كافّةً، تستقبله طرقاتُ هذا البلد المهترئ كما أساسات وزاراته لتُنهيَ حياته.
فتخيّل أنكَ تقود سيّارتك وتسير على شبه طريقٍ لبنانيّة، ستكون - في الغالب - مجبرًا على دفع حياتك أو حياة غيرك ثمنًا لرفاهيّة هذا الانتماء. إذ باتت حوادث السَّير من العناوين الرئيسة في نشرات الأخبار، بل أكثر من ذلك، أصبح لحوادث المرور في لبنان تقريرٌ يوميٌّ يصدرُ عن غرفة التَّحكّم المروريِّ، إذ سجّلت الغرفة ثماني حوادث سيرٍ خلال ٢٤ ساعة فقط (٣٠ آب ٢٠٢٢) أودت بحياة ٤ وجرح ١٦ آخرين. ومن المؤكّد أنّ هذا الرقم مرشّحٌ إلى الازدياد ليخطف عدّاد الموت أرواح الشّباب اللبناني.
لعنة أوتستراد المصنع الحدودي
في البقاع وتحديدًا عند الحدود اللُّبنانيّة – السّوريّة، رعبٌ يسيطر على كُلِّ من يُضطر للقيادة هناك، وظلمةٌ في العقول قبل أن تكون على الطرقات، فالدّفاعُ المدنيُّ وسياراتُ الإسعاف في حالة جهوزيّةٍ واستنفارٍ دائمٍ لنقلِ جرحى حوادث الأوتستراد وضحاياه، إذا ما وُجدَت مادّة الوقود في آليّاتهم. ولا يحتاج اللبناني لكثيرٍ من الإمعان حتى تتبيّن له المشكلات التي تعترضُ طريقه أثناء القيادة، إذ لا إنارة في ظلِّ انقطاع الكهرباء والعتمة شبه الدائمة في لبنان، بعد أن أعلنت مؤسَّسة كهرباء لبنان التوقُّفَ عن العمل نهائيًّا، في الأيام الثلاثة ما بين ٢٥ إلى ٢٧ من آب الجاري، بسبب نفاد مادة المازوت. هذا بالإضافة إلى غياب علامات التّحذير المروري المضيئة في العتمة وإشارات المرور والعدد الكافي من الشرطة المحليّة وقصور دور وزارتي الدَّاخلية والأشغال.
طريق المصنع الدَّوليّة التي تربطُ لبنان بسوريا تشهدُ حوادثَ سيرٍ كثيرة، كان آخرها الحادث الذي ضجّت به وسائل الإعلام اللبنانيّة والعربيّة والذي ذهب ضحيته الفنان الشّاب جورج الّراسي حيث فاجأه فاصلٌ اسمنتيٌّ وسط الأوتستراد عند عودته فجرًا من إحيائه حفلًا غنائيًّا في العاصمة السّورية - دمشق، فارتطمت سيارته به، ما أدّى إلى مصرعه مع منسقة أعماله زينة المرعبي، ما يؤكِّد عمق الفجوة بين خطط الوزارات المعنيّة والإصلاحات على أرض الواقع.
إحصاءاتٌ لبنانيّة وعالميّة
تشكّل حوادثُ المرورِ ثاني أسباب الوفيّات في العالم دون ال ٤٠ عامًا، وذلك بحسب تقرير لمنظمة الأمم المتّحدة. وتخلِّف حوادثُ السَّيرِ سنويًا أكثر من مليون قتيلٍ في العالم، إضافة إلى أكثر من ٥٠ مليون جريحٍ أو معوّقٍ. من هنا، تطلقُ منظمة الصِّحَّة العالميّة تحذيراتٍ من مخاطر ارتفاع ضحايا المرور بنسبٍ أكثر، إذا لم تُتَّخذ الإجراءات الضّروريَّة للحدِّ منها.
وفي لبنان، تحصدُ حوادثُ السّير أكثر من ٥٠٠ قتيلٍ سنويًّا في بلدٍ يكادُ لا يتجاوز عدد سكانه ال ٦ملايين ونيِّف يعيشون على مساحة ١٠٤٥٢ كلم٢.
طرقات لبنان بلا أمان
يعزو رئيسُ مركز الدّفاع المدنيِّ في المصنع سامر محمد في حديثٍ خاصٍ لموقع الأفضل نيوز، أسبابَ الحوادث المروريّة إلى "الضحايا أنفسهم، أو عوامل تتعلّقُ بالطّرقات وسير المركبات، وغياب جودة البُنى التَّحتيّة والسّلامة المروريّة"، مؤكدًا أنَّ "حوادث السّير على أوتستراد المصنع الحدودي معتدلة نسبيًا من حيث عددها، لكنّها قاتلةٌ في معظم الأحيان. أمّا بقاعيًّا، فحوادثُ السّيرِ كثيرةٌ، إلا أنَّ معظمها يقتصر على الأضرارِ الماديّةِ والرُّضوضِ الطّفيفةِ".
وأضاف رئيسُ مركز الدّفاع المدني: "لا يمكن إنكار الأخطاء التي يرتكبها السّائقون أو المشاة، وهي بإيجاز كالآتي: السُّرعةُ الزائدةُ، التّجاوزُ الخاطئُ، عدم التّقيُّد بأولويَّات المرور، إضافةً إلى القيادة في الاتّجاه المعاكس للسَّير أو القيادة تحت تأثير الكحول، المخدِّرات أو التَّعب".
يتابع محمد "إنّ وضعَ الطرقاتِ في لبنان يشكّل سببًا مباشرًا في وقوع الحوادث بكثرة، وذلك لوجود عدّة أخطاء من بينها عدم توافر العدد الكافي من العلامات والحواجز عند المنعطفات الخطرة – كما هو الحال على أوتستراد المصنع الحدودي – وغياب التّخطيط عند إنشاء الطرق وإهمال البنى التَّحتيَّة.
غياب مادَّة البنزين تهدّدُ حياة ضحايا السَّير فمن الظّالم ومن المظلوم؟
يؤكّد سامر محمّد بأنّ بلديّةَ مجدل عنجر وبعض فعاليّات المنطقة يعملون بجديّةٍ على تأمين مادة البنزين، في ظلّ الظروف الصَّعبة التي تمّر بها البلاد من احتكار وغلاء هذه المادّة عند أصحاب المحطّات، كي تبقى آليّات الدِّفاع المدنيِّ وعناصره في جهوزيّة تامّة عند حصول أيِّ حادثٍ مفاجئٍ، وإلا فإنَّ شحَّ مادّة البنزين سيكون المهدِّدَ الفعليَّ لضحايا السّير.
استنادًا إلى كلِّ ما ذكر أعلاه، صار المواطن هو الظالمُ والمظلومُ في آنٍ واحدٍ. وإن كانت وزارة النَّقل والأشغال متقاعسةً عن أعمالها فالمواطن يتحمَّلُ جزءًا من هذا الإهمال.
ضحايا السّير بين صحَّته وسيَّارته عليه وعليها العوض
إذا كنت صاحبَ حظٍّ وفيرٍ ونجوتَ من الحادث، لن تنجوَ من صدمة الغلاء الفاحش والدّولرة. فالمستشفيات أصبحت للأثرياء فقط، أمّا الفقير فسيدفع آلاف الدُّولارات قبل دخوله المستشفى وإمّا سيلقى مصيره على بابها.
أمّا تصليح السَّيارات، فعلى مرتكب حوادث السَّير أن يشمَّ ويلمَّ سيارته وإن خدشها فعليه وعليها العوض.
خالد العلي شابٌ لبنانيٌّ يملكُ سيارة هيونداي صغيرة، اصطدمت بسيّارة أخرى عند عودته من العمل. يقولُ العلي: "إنّ تصليح سيّارته سيكلِّفه ألف دولارٍ، في حين أنّ مرتّبه بالليرة اللبنانيّة. وإذا تمّت الحسبة على دولار ٣٠ ألف ليرة، فإنّ تصليحة سيّارته ستكلّف نحو ٣٠ مليون، ومعاشه الشهري ٣ ملايين؛ أي أنّه يحتاج قرابة العشرة شهور إذا قام بتجميع دخله الشهري كاملاً حتى يؤمّن المبلغ المطلوب، ممّا دفع العلي إلى ركن سيّارته أمام منزله إلى أن تُفرج.
الشتاءُ قادمٌ والطرقاتُ مهترئةٌ
بات مشهد الفيضانات والسّيول في لبنان مشهدًا عاديًّا وحتميًّا، مع بدء فصل الشّتاء. إنّه المثال الأنسب لمصطلح "المضحك المبكي". ففي لبنان فقط، كلُّ وزارةٍ تتخلّى عن مسؤوليتها عند أيِّ أزمةٍ تواجهها، وتُسقِط التّهمة إمّا على الوزارة التي سبقتها، وإمّا على وزارة أخرى.
أمّا التفكير في الخطط والحلول، فبات كوكب المريخ أقرب إلينا من حلولٍ إصلاحيّةٍ وزاريّةٍ لأزمة الطّرقات والبنى التّحتيّة في لبنان.
أمام هذا الواقع المرير بات علينا القول: "استعدوا جيداً لفصل شتاءٍ باردٍ، دونَ مازوتٍ وبنزينٍ، بلا أدويةٍ ولا طرقاتٍ ولا طبابةٍ ولا تعليمٍ إلّا بثمنٍ غالٍ، والبخسُ الوحيدُ هو حياةُ الإنسان على طرقات لبنان.

