إسلام جحا _ خاصّ الأفضل نيوز
تعدُّ التَّربيةُ من أهمِّ القطاعاتِ الَّتي تُسهِمُ في رفعِ مؤشِّراتِ التَّنميةِ للشُّعوبِ في العالم. وطالما كانَ هذا القطاعُ الرَّافعةَ الأساسَ التي يَعتَدُّ لبنانُ بها عربيَّا ودوليًّا، لناحيةِ المنهج المتَّبع، واعتمادِ تعليمِ اللُّغات الأجنبيَّة، وإدخالِ البرمجةِ إلى المناهجِ، وكفاءةِ الكوادر التَّربويَّة، لتتهافتَ بعدها الأزماتُ على هذا البلد بسحرِ ساحرٍ، وتجعلَ قطاعَ التَّربية فريسةً ترزحُ بين سندانِ الإفلاسِ السِّياسيِّ والاقتصاديِّ وحتّى الأمنيِّ، ومطرقةِ المواجهةِ باللَّحمِ الحيِّ لإنقاذِ العامِ الدِّراسيِّ استثمارًا للأجيالِ التي يُعوَّل عليها "خميرةً لهذا الوطن".
ولا شكَّ، إنّ المعرفةَ تقودُ إلى القوَّة، والعلِمُ يقودُ إلى الحرِّيَّة، ولو كان المُستبِدُّ طيرًا لكان خفَّاشًا يصطادُ هوام العوام في ظلامِ الجهل!. أمَّا الاستبدادُ فلا يقتصرُ على دكتاتوريَّةِ الحُكم؛ لأنّ فقدانَ الرَّغيفِ استبدادٌ، والموتَ بحثًا عن سريرِ مستشفًى أو حبَّة دواءٍ أو "نقطةِ" مازوتٍ استبدادٌ أيضًا. وإنّ أعلى مراتبِ الاستبدادِ هو العبثُ بمستقبلِ التَّعليمِ لجيلٍ كاملٍ، في بلدٍ يتنفَّس برئةٍ واحدةٍ مثل لبنانَ، وهنا، لا بدَّ من فتحِ مزدوجين للحديث عن "الجامعة الوطنيَّة" التي تحتضنُ طموحاتِ أكثرَ من70 ألف طالبٍ وضعوا ثقتهم بمؤسَّسةٍ رسميَّةٍ تبوَّأت الرقم 1 من حيث السُّمعةِ المهنيَّة في لبنان، والرَّقم 3 على مستوى العالم العربيّ، منذ بدايتها الفعليَّة عامَ 1967، فخرَّجت معظمَ الكفاءاتِ العلميَّةِ في الاختصاصاتِ التَّطبيقيَّة والنَّظريَّة كافَّة. فهل ستحفظ هذه الجامعةُ الميثاقَ الذي قطعته لطلَّابها؟ أم أنَّ ما يحصلُ من تداعياتِ الأزماتٍ المتلاحقةٍ جعلها حِلًّا من رقابِ غالبيَّة الطَّامحين من فقراء لبنان؟.
ولمناقشة الإشكاليَّتين السَّابقتين، لا بدَّ من الاعترافِ بمعاناةِ الجامعةِ اللُّبنانيَّةِ التي تبدأ من النَّقص الحادِّ في التَّمويل لاعتباراتٍ طائفيَّةٍ وحزبيَّةٍ ومناطقيَّة، مترافقةٍ مع سَطوة القوى السِّياسيَّة وتدخُّلاتِ الأحزاب، إلى جانب منافسةِ الجامعات الخاصَّةِ المملوكةِ من نافذين في السِّياسة والمال، برغم تكلفتها الباهظة مقارنةً بمجانيَّة الجامعة الوطنيَّة، وذلك لأسبابٍ تتعلَّق بصعوبةِ الامتحاناتِ، وتحديد سقفٍ معيّنٍ لعدد النَّاجحين، وشحِّ الورق والحبرِ اللّذين دفعا بالمراقبين خلال امتحانات العام 2021- 2022 إلى استعادة أوراقِ الاختبار من أجلِ إعادةِ طباعةِ أسئلة المواد الأخرى على الوجهِ الخلفيِّ للورقة، وعدم السَّماح للطالب باستخدامِ أكثر من "كرّاس" واحدٍ للإجابة. وقبل كلّ ذلك، وصولُ طوابيرِ الذُّلِّ ذروَتها أثناءَ التَّسجيل، وتشتُّتِ الطَّالب أسابيعَ عدَّة لتصديق الشّهادات، المتزامنِ مع إضرابِ الموظفين في كلِّيَّات التربيَّة في المناطق، وبطء المعاملات أو ضياعها، وصولًا إلى آليَّة تسديد رسومِ التَّسجيل بمكاتب "ليبون بوست" التي تفتقر للكهرباء، ممّا يحولُ دون تسديد الرُّسومِ في الوقت المناسبِ، وليس انتهاءً بتأجيلِ الامتحاناتِ احتجاجًا على ضياعِ حقوقِ الأساتذةِ، وعدم وجودِ العددِ الكافي من الموظفين والعمَّال للمراقبة.
وعلى الرَّغم من لجوءِ المدارسِ والجامعاتِ الخاصّة إلى دولرةِ أقساطها، حفاظًا على دخلٍ عادلٍ للأساتذة، يراعي الغلاءَ المعيشيَّ المحيط وسْط رفضٍ من وزارة التَّربية، جاءَ على لسانِ المديرِ العام للتَّربية عماد الأشقر، لرفعِ الزِّياداتِ غير المبرَّرة في المؤسَّساتِ التَّعليميَّة من جهة، وتحفُّظ الوزارة على تحقيقِ الأرباحِ الكبيرةِ من الأقساطِ من جهة أخرى، وذلك من أجلِ المساهمةِ في صمودِ القطاعِ التَّعليميِّ أمام هذه العاصفة، ودعوةِ وزيرِ التَّربيةِ عبّاس الحلبي المؤسَّسةَ التعليميّةَ صراحةً إلى عدم صرفِ أيِّ طالبٍ بسببِ عدمِ تسديده القسط. هذا بالإضافةِ إلى حضورِ لجنةِ التَّربية في تصريحاتٍ لرئيسها حسن مراد طالبت بإعلانِ حالةِ طوارئ تربويَّةٍ.. أمام كلِّ ذلك، يبدو أنّ ثمَّةَ استياءً طلابيًّا عبّرت عنه الأرقامُ التي أشارت إلى نزوحٍ طلَّابيٍّ من الرَّسمي إلى الخاصّ. فقد بلغَ حجمُ طلَّابِ الجامعةِ اللُّبنانيَّة الذين استحصلوا على إفاداتٍ للانتقالِ إلى الجامعاتِ الخاصَّة أكثر من 10% من الطَّلاب المسجَّلين، وانخفضت نسبةُ التَّسجيل في الجامعةِ اللُّبنانيَّة للعام المقبل اكثر من 20%، وهذا إنّما يعودُ إلى سببٍ من اثنين، أوَّلهما: إضرابُ أساتذة الجامعة اللُّبنانيَّة واضطرابُ التَّعليم فيها، وثانيهما: امتلاكُ القسمِ الأكبر من النَّاس القدرةَ على الدَّفعِ بالعملة الصَّعبة، وارتفاع الدُّولار ورخصِ الأقساطِ مقارنةً بالسَّابق.
لسنا هنا في واردِ النَّحيب على هذا القطاعِ، أو إلقاءِ الاتِّهاماتِ وقذفِ المسؤوليَّات، بل لطرحِ الحلول الآيلةِ إلى عودةِ التَّعليمِ الرَّسميّ إلىِ سابق عهدِه من خلالِ تلبيةِ حاجةِ الجامعةِ اللُّبنانيَّة إلى كثيرٍ من الاستقلاليَّة، ومزيدٍ من الدَّعم الحكوميِّ؛ لأنَّ الموازنةَ المُقرَّةَ للجامعة اللُّبنانيَّة لا تكفيها كما يقول رئيسُها بسّام بدران، وقيمتها 366 مليار ليرةٍ، ومع زياداتِ المساهماتِ من PCR وغيرها ستصل إلى 800 مليار ليرة، أي إنَّها لا تصل إلى 20 مليون دولار. أمَّا أكاديميًّا، يجب العملُ على تكثيفِ الجهدِ الأكاديميِّ والتنَّظيميِّ، و"سستمة" المنهاج، وتعميمِ النَّشراتِ التَّوجيهيَّة والمعلومات الإلكترونيَّة لتعريفِ الطّالبِ بالاختصاصاتِ، وتطوير المناهج من خلال انتدابِ لجنةٍ أكاديميَّةٍ محلَّفة من مركز البحوثِ والإنماء لتعديلِ المناهجِ وتطويرها.
يقول الرِّوائيُّ الفرنسيُّ فيكتور هيغو: "مَن فتح باب مدرسةٍ، أغلق بابَ سجن"، وعليه، وجب على الدَّولةِ اللُّبنانيَّةِ بكلِّ أركانها وأجهزتها ووزاراتها، وخصوصًا التَّربية منها التي لا تألو جهدًا للمساعدة، حمايةُ التَّعليم في الجامعةِ اللُّبنانيَّةِ لكيلا تتحوَّلَ مدارسُنا إلى سجونٍ حقيقيَّةٍ!.

