ريما الغضبان - خاص الأفضل نيوز
كدتُ ألاَّ أنهيَ تحقيقي الصِّحافي هذا بسبب شُحِّ الإنترنت، ووجودِ شبه كهرباءَ وشبكة اتّصال. فعلى ضوء القنديلِ الذي أخذ بنا إلى العصر الحجريّ استطعتُ أن أُرسلَ موضوعي هذا بخدمةٍ بطيئةٍ لربّما نفقدُها عمّا قريبٍ في بلدٍ بات يفقدُ أدنى مقوّماتِ الحياة، وتحكمهُ سُلطةٌ فاسدةٌ، أبت أن تتركَ لنا متنفسَ هواءٍ أخيرٍ لنصبح "خارج الخدمة".
لم يكفِ المنظومةُ الحاكمةُ سرقةَ حياةِ المواطن وأموالِه، بل أرادت إنجازَ المهمّة على أكمل وجهٍ، فحاولت سلبَ اللُّبنانيِّين التّواصل فيما بينهم وخارجيًا إذ لم تُحلّ المشكلةُ. فبين إضرابِ موظفي شركة "أوجيرو" التي تصلُنا بالعالم، والشّحِّ في مادّة المازوت ستكون الإجابةُ على كلِّ اتصالٍ يردُ إلى لبنانَ ب "غير متوفر حاليًّا".
وفي ظلِّ الأزمةِ التي يُعاني منها لبنانُ، خلقَ إضرابُ هيئةِ أوجير أزمةً إضافيّةً "ما كانت عالبال ولا عالخاطر". وكغيرهم من موظّفي القطاعِ العامّ، أرادّ عمّال شركة أوجيرو المطالبةَ بحقوقهم من أجلِ حياةٍ أفضل، ولكن لبنانَ والشّعبَ اللُّبنانيّ هم منَ يدفعُ الثّمنَ نتيجة هذا الإضراب، فيغيب عن السّمع إلى أجلٍ غير مسمَّى.
أوجيرو: محرِّكُ لبنان الافتراضي
لربّما أننا أمام انقطاعِ الاتّصالات في لبنان نسأل: من هي شركةُ أوجيرو؟. باختصار، هي اليدُ التّنفيذية لوزارة الاتّصالات، التي تُشكلُ البنيةَ التَّحتيَّةَ الأساسيّةَ لجميع شبكات الاتّصالات، بما في ذلك مشغّلي شبكة الهاتف المحمول، ومقدّمي خدماتِ البيانات(DSP)، ومقدمي خدمات الصّوت، الإنترنت وغيرها. وفضلًا عن أنها تُقدّم الحلولَ من أجل تلبيةِ المجتمع، وتفاعله تكنولوجيًّا على المستويين الاجتماعيّ والاقتصاديّ. فهي بوصلةُ لبنانَ، واليدُ الخفيّةُ التي تُحرّكه داخليًّا وخارجيًّا. فكيف سيكون هناك لبنان (الافتراضي) دون أوجيرو؟
وفي لمحةٍ تاريخيةٍ سريعةٍ، بدأت أوجيرو خدماتِها في العام 1972، وباتت المحرّكَ الأساسَ للقطاعاتِ كافّةً (مصارف، مدارس، شركات..). وتعدُ من أهمّ القطاعاتِ التي تزوّد لبنانَ بإيراداتٍ عاليةٍ سنويًا، قاربت 17 مليار دولار بين عاميْ 2010 و2020. فالشبكة تضمُّ نحو 4 ملايين مُشتركٍ، وكلفة التّشغيل لهذه الفترة التي تراوحت بين عامي 2010 و2020 لم تتجاوز 6 مليارات دولار، أي 32٪ من نسبة الأرباحِ وكلّ ما بقي يذهب إلى خزينة الدّولة التي تستهزئ بهذا القطاع، وستأخذ به إلى الدّمار في حال لم يتمَّ تدارك الوضع.
إضرابٌ حتى الخميس وإلَّا...
على خلفيّةِ عدمِ المساواة بين موظفي أوجيرو وموظفي ألفا وتاتش، بدأت المطالباتُ تعلو حتى وصلت إلى الإضراب؛ بسبب عدمِ الاستجابةِ لهم برفع أجورهم الشَّهرية. فمنذُ بداية الأزمة لم يتوقف هؤلاء الجنودُ المجهولون عن العمل لإبقاء الصّوتِ والصّورة في لبنان، من أجل إبقاء الدّعمِ الخارجيّ من المغتربين الذين يحتاجون خدمةَ الإنترنت والكثير من الأمور التي لا تُعدُّ ولا تُحصى.
وعن مطالبِ الموظفين، يقول مصدرٌ في هيئةِ أوجيرو رفض الكشف عن اسمه للأفضل نيوز: "إضرابُنا اليوم من أجل الحصولِ على رواتبَ أفضل، فمن غير العادلِ أن يتقاضى موظفو تاتش وألفا رواتبهم على دولار 8000 ل.ل، في حين أنّنا ما زلنا حتى اليوم نتقاضى الرّاتبَ على دولار 1500 ل.ل".
وفيما يخُص العلاقةَ بين أوجيرو وألفا وتاتش أضاف: "إذا توقفت أبراجُ أوجيرو عن العمل، ستتوقف تلقائيًا أبراجُ ألفا وتاتش، وعندها تضعف خدمةُ الإنترنت والاتّصال".
وفي السِّياق عينه يقول المصدر: "حتى لو عدنا إلى العملِ ونفدت مادةُ المازوت ستتوقف الخدمات كافةً". فما هي العلاقةُ بين مادّة المازوت وخدمات أوجيرو؟.
يقول مُهندس الاتّصالاتِ عمار زعرور: "إنّ مادةَ المازوت هي لتشغيل المولدات التي تمُدّ أبراجَ الإرسال بالطاقة، ولهذا في حال نفادِ المازوت ستتوقف الخدماتُ تلقائيًّا".
وعن مدّة الإضراب يقول المصدرُ في أوجيرو: "إذا لم يتمَّ توقيعُ المراسيم التي هي من حقّنا، وأهمّها بدلاتُ النّقل والمساعدة الاجتماعيّة، ستتعقد الأزمة؛ لأننا لن نتراجعَ عن الإضراب، وهناك مهلة ليوم الخميس، وفي حال لم تنفّذ المطالب، سنصلُ إلى نتائج لا تُحمد عقباها، وسيذهبُ لبنان إلى العصر الحجري، وسنتداول الرّسائلُ عبر الحمام الزاجل".
انقطاع الإنترنت: خسائرُ بالملايين
لم تقتصر المشكلةُ على إضرابِ أوجيرو فقط، فهذا الإضرابُ العلنيُّ خلق إضرابًا خفيًا في حياة كلِّ لبنانيٍّ، فشُلَّت حركةُ التجارة، المدارس، المصارف، المشافي وغيرها الكثير. تقول السَّيِّدة إيمان الغضبان، صاحبة محلّات تجاريّة في حديثٍ للأفضل نيوز: "بدأت معاناتي منذ بضعةِ أيّام، فتوقف (السيستيم) عن العمل، وبالتالي لم نستطع إنجاز أيّ مهمّة. كما أننا تكبّدنا خسائرَ مرتفعة، وبتنا غير قادرين على بيع منتجاتنا؛ بسبب عدم وجود شبكة للتّواصلِ مع الزبائنِ من أجل البضائع". وتضيف: "بتنا غيرَ قادرين على تلقّي طلبات الزبائن أو حتى بيعهم في المتجر، فنحن، اليوم دون كهرباء وإنترنت".
وفي هذا الصّدد تقول السَّيِّدة إيفا المعدراني، صاحبة متجر متعاقد مع الأممِ المتّحدة لبيع اللّاجئين السُّوريِّين للأفضل نيوز: "مع بداية كلّ شهر يتهافت اللَّاجئون السُّوريُّون لصرفِ بطاقاتهم، ولكن هذا الأسبوع، لم نتمكن من البيع؛ بسبب تعطّل خدماتِ أوجيرو (الهاتف الأرضي والإنترنت)".
خساراتٌ بالملايين يتكبدها اللُّبنانيُّ يوميًا؛ بسبب الأعطالِ التي طالت الأراضي اللُّبنانيَّة كافةً، لتتضاعف معاناة اللُّبنانيِّّين من بيعٍ وعملٍ مقبول إلى إنتاجيةً "صفر".
أمّا عن تبادلِ العُملات من الدّاخل إلى الخارج والعكس، فتكبدت شركةُ وسترن يونيون خسائرَ كبيرةً في الأيام الماضية. وفي جولةٍ للأفضل نيوز على المحال قال السَّيّد محمد.د "وكيل وسترن يونيون": "يوميًا يتم سحب ما يُقارب 20 حوالة، أمَّا ليلة أمس، لم يتمَّ سحب أكثر من 5 سحوبات، واليوم كان العدد صفر".
أرواح الناس تنتظرُ الإرسال!
باتت أجهزةُ الطّوارئ الصّحّيّة (الصليب الأحمر، الهلال الأحمر، هيئة الإغاثة والطوارئ)، تُلاحق الإرسال في كل مكانٍ أو واي فاي إذا توفر لإنقاذ أرواحِ الناس؛ بسبب توقُّف الخطوط السّاخنة عن العمل، ليتم استبدالُها بأرقامٍ جديدة نشرها الصّليب الأحمر على مواقع التّواصل الاجتماعيِّ.
ويُعقّب المتطوِّع في هيئة الإغاثة والطوارئ سراج السَّاروط على الموضوع في حديثٍ خاص للأفضل نيوز: "لقد أجبرنا على شراءِ أرقامِ هواتفَ جديدةٍ من أجل تلبيةِ حاجاتِ النَّاس، إلا أنّ هذه الأرقام لا تعمل بشكلٍ سريعٍ كما الخطوط السّاخنة، وبالتالي سيكون هناك تأخير لوصول سياراتِ الإسعاف، وبالتالي زيادة الخطر على أرواح الناس".
لم يكفِ الدولةُ التلاعُبَ بالقطاعات كافةً، بل تخطَّتها إلى أرواح النّاس، ولقمة عيشهم التي باتت صعبةَ المنال، إذ لا عودة للخدمات إلّا مع تنفيذِ مطالبِ موظفي أوجيرو المستحقَّة.
أين السُّلطة من هذا؟
مع التّهديد بالتصعيد، وفي حال لم تُحرِّك الدولةُ ساكنًا، وفي ظل هذا الإضراب الذي أوقف محطاتِ الإرسال الأساس لشركتي ألفا وتاتش عن العمل بسبب نفادِ مادّة المازوت، سينعكسُ الأمرُ سلبًا على أوضاعِ المشتركين، وتتوقف أعمالهم. فماذا فعلت الدَّولةُ لحلِّ هذه المشكلة التي خلقت أزمةً لبنانيّةً جديدةً؟.
مع رفعِ موظفي أوجيرو صرختَهم، سارعت الوزاراتُ المعنيّةُ لعقد اجتماعاتٍ علّها تجدُ الحلَّ الأسرعَ بأقل كلفةٍ ممكنة. وفي السّياق، أكد الموظفون أن الكرةَ اليوم في ملعب الدولة، وهم بحالة ترقُّب وانتظار ليُبنى على الشّيءِ مقتضاه.
وردًا على مطالبهم المُحقّة، تحرك وزيرُ الاتّصالاتِ جوني القرم ووقع على المراسيمِ الأربعةِ المتعلقةِ بالمطالب. وصرح الوزيرُ "للجمهورية" عما تّم التوصّل إليه في مسألة الإضراب وقال: "إنّ الأجواءَ جِدُّ إيجابية، ولقد وقعتُ المرسوم الذي سيُحال إلى وزيرِ المال، ومن ثم إلى رئاسة الحكومةِ ورئاسة الجمهورية. وهذا المرسومُ بقيمة 220 مليار ليرة لبنانية". وأشار القرم إلى "أنّ هذه الأموال موجودةٌ في خزينةِ الوزارةِ ويلزمهم الإذن القانوني لدفعها".
وعن إمكانِ فكِّ الإضراب، يقول الوزيرُ القرم: "هناك ثلاثة أمور من مجملِ أربعةٍ وهي في طور التّّنفيذِ الآن، وسأطلب من الموظفين فكّ الإضراب على أملِ التّجاوب". ويضيف: "لهم الحق في الإضراب، ولكن لا يحقُّ لهم إيقاف صهاريج المازوت لتعبئة السّنترالات، وسنلاحق قضائيًا أيّ شخص يتصرفُ بهذا الشكلِ لأنّه منافٍ للقانون".
إذًا، على غيرِ عادتها تحرَّكت الدولة بشكلٍ سريعٍ من أجل إبقاءِ لبنان على قيدِ الحياة. فقطاعُ الاتّصالات هو القطاعُ الوحيدُ الذي ما زال يزرعُ في اللُّبنانيِّين الأمل ويُساعدهم على حمايةِ مصالحهم وأرواحهم، وكأنه النور الذي يُضيء عتمةَ الوطن فهل سينجو هذا القطاع بسلامٍ أم أنّه على اللُّبنانيّين وُجبَ طلبُ الرّحمةِ للأرواح وللوطنِ معًا؟!.

