زياد العسل _ الأفضل نيوز
عند الحديثِ عن المأساةِ الكبرى التي تعصفُ بالكيانِ اللُّبنانيِّ، تتبادر إلى الأذهانِ أسئلةٌ جوهريّةٌ بات يطرحها المواطنُ في هذا المكان المشتعل منذ نشوئه، فلا شك، أنّ المراقبَ للمشهد اللُّبنانيِّ بعمقٍ وموضوعيّةٍ يدرك أنَّ أزمةَ الهُوية واحدةٌ من الأزمات الكبرى، التي يعدُّ البحث فيها بحثًا مهمًّا جديًّا، يجب أن يطرقه كلُّ باحثٍ عن حقيقة الأزمات البنيويَّةِ والفكريَّةِ والفلسفيَّةِ التي تعصف بهذا الكيان، وقد اختصر الفنانُ اللُّبنانيُّ زياد الرَّحباني الكثيرَ حين وصف الجمهوريَّة اللُّبنانيَّة: "أنّها أشبه بإرطة عالم مقسومين". فما دقّة هذا التّوصيف وكيف يُقرأ؟.
في حقيقة الأمر، هذا التَّوصيف دقيقٌ جدًّا، ويكاد يتماهى تمامًا مع طبيعة الحياة اللُّبنانيَّة، إذ إنّك في كلِّ منطقةٍ تزورها من هذه البقعة الصغيرة جدًا، التي تشكلُ مساحتها أصغر من حلب (المدينة السُّورية العريقة على سبيل المثال)، ستجد الكثير من الاختلاف في اللهجاتِ والعادات والتَّقاليد والرُّؤية إلى لبنان نفسه، فهذا يراه عربيَّ الهوى، وذاك يراه مشرقيَّ الهوى، تلك تتحدَّث أنّه جزءٌ من بلاد الشَّام، وهذا ما لمسه "الأفضل نيوز"، ففي راشيا يتحدّث رئيسُ بلديةِ العقبة السّابق كمال عسَّاف "أن لبنان لا يمكن إلّا أن يكون جزءًا من سورية الكبرى" كما سمّاها. في حين رأى النّاشطُ الزحليُّ جورج كلاس "أن لبنان مشرقيّ الهَوى والهُويَّة من خلال تاريخه وحضوره جغرافيًا وتاريخيًّا". أمّا المربِّي أحمد ناصر من بلدة جُب جنِّين، أشار إلى أنَّ عاملَ التَّاريخِ واللُّغةِ والحضارةِ يجعلون من لبنانَ عروبيَّ الهوى والتَّوجُّه والانتماء من منظارٍ منطقيٍّ واقعيٍّ، وهذه الرّؤى التي تكرَّرت من خلال سؤال أشخاص عن رؤيتهم للبنان، وكيف يرون هُويَّته، عكست حجمَ الهُوة الشّاسعة في مقاربة المشهديّة اللُّبنانيَّة والفسيفساء الاستثنائيَّة له.
هنا أستشهدُ بالأديب اللُّبنانيِّ أمين معلوف، الذي عَنوَن كتابه ب "الهُويَّات القاتلة" في معرض توصيفه للمشهد اللبنانيِّ، بعدما ترك لبنان زائرًا فرنسا، التي عثر فيها نوعًا ما على سلامهِ الدَّاخليِّ، وسط ضجيج قنابل الطّوائف والمذاهب وصراعات القتل على "الهُوية" (بمعنى التَّذكرة) التي عصفت في لبنان مولِّدة الكوارث التي تناقلتها الأجيالُ جيلًا بعد جيل.
معلوف نفسُه، سرد في كتابه أنّ هذه الهويات القاتلة التي تأخذ البعدَ الطائفيَّ والمذهبيَّ والمناطقيَّ، تتحول فيما بعد لمتاريسَ لحماية الذَّات وكره الآخر، واعتباره خطرًا وجوديًّا مستفحلًا، حيث يسمّى "بالانتماء الصَّلب" الذي يشلّع الهويَّة الوطنيّة، ويمزّق ما تبقى منها.
بعد مئةِ عامٍ ونيِّف على ولادةِ الكيانِ اللُّبنانيِّ، تستمرُّ "الهويات القاتلة" في تكريس الحضور أكثر في شتّى مرافق الحياة ومفاصلها الوطنيّة؛ لأسبابٍ عديدةٍ لعلَّ أبرزها أزمة النّظام السِّياسيِّ الذي تركه الفرنسيُّون لنبقى في أزمة؛ ولكي يعودوا مقدمين أنفسهم أنهم الحلّ بعد قرنٍ من الزّمن، وثانيها سوء تطور العقل اللبنانيِّ الذي احتار العلماء في وصف دواء يُخرجه من حالة الخدر القبلي الذي يحيا بها، ولكنّه لبنانُ بحكم تاريخه وموقعه الجيوسياسي، يبقى الشُّغلَ الشّاغلَ للعالم بأسره في أعتى بقاعِ الأرضِ في هذا الشَّرق، وسط هويات قاتلة، آنَ الأوانُ لتصبحَ مقتولةً على مذبحِ الانتماءِ الحقِّ.

