كمال ذبيان – خاص "الأفضل نيوز"
يمرّ لبنان بمرحلةٍ دقيقةٍ وخطيرة، يتمّ التعبير عنها مع كلّ حدثٍ سياسيٍّ محلّي أو آخر إقليميٍّ ودوليّ، إذ تربط المكوّناتُ السياسيّةُ والطائفيّةُ وجودَها ومصيرَها السياسيّ بالخارج منذ قرون، ولم يتحرّر من ذلك. إذ شكَّل التدخّلُ من قِبَل دولٍ خشبةَ خلاصٍ وإنقاذٍ لطوائفَ دخلت تحت محميّات تلك الدول، ممّا عطّل القرارَ اللبنانيَّ المستقلَّ وتحقيقَ سيادةٍ حقيقيّة. وهو ما يُدخِل لبنان في أزماتٍ واقتتالٍ وحروبٍ لم تكن تُحَلّ إلّا بتدخّلٍ خارجيٍّ وقبولِ اللبنانيّين به.
وما حصل منذ ما بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهليّة عام 1990 وأعاد العمل إلى المؤسّسات الدستوريّة، يكشف عن هشاشة الوضع اللبناني، الذي مع كلّ تطوّر داخليّ وتحوّل خارجيّ يتأثّر به لبنان وتنقلب فيه الموازين الداخليّة، ويظهر شعار "غالب ومغلوب" الذي تصدّى له الرئيس الراحل صائب سلام بشعار "لا غالب ولا مغلوب" إثر أحداث ما سُمّيت "ثورة 1958". ولكنّ اللبنانيّين لم يتعلّموا من حروبهم وأزماتهم ومآسيهم، فيُعَوِّلون ويَرفعون متاريس سياسيّة ودستوريّة فيما بينهم، لتتحوّل أحيانًا إلى متاريس عسكريّة، فشهد لبنان حروبًا باردة بين مكوّناته الطائفيّة والسياسيّة منذ ما بعد عام 2005، الذي قُتِل فيه الرئيس رفيق الحريري وأدّى إلى انسحاب القوات السوريّة من لبنان، فحصل اختلال في التوازن الداخلي، وقدّم فريق 14 آذار نفسه منتصرًا بتحرير لبنان من "الاحتلال السوري" واستعادة السيادة، في وقتٍ اصطفّ فريق 8 آذار إلى جانب سوريا، رافعًا شعار "شكرًا لها" باعتبارها حاضنة للمقاومة في لبنان وممرًّا لسلاحها من إيران ودول أخرى،
ونتج عن ذلك انقسام سياسيّ اتّخذ في بعض الأحيان طابعًا مذهبيًّا كاد أن يؤدّي إلى فتنة سنّيّة – شيعيّة، خفّت حدّتها مع أحداث 7 أيار 2008 في بيروت، عندما رفض حزب الله قرار الحكومة بتفكيك شبكة اتصالاته، فسيطر على العاصمة وأعاد التوازَنَ السياسيّ في اتفاق الدوحة، إذ جمعت قطر الزعماء اللبنانيّين، وخرجوا منها بتفاهم على انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيسًا للجمهوريّة، ونَيل فريق 8 آذار مع التيّار الوطنيّ الحرّ "الثلث الضامن والمعطِّل" في الحكومة.
فمع كلّ تطوّر في الإقليم ينعكس على الداخل اللبناني، وهذا ما حصل مع سقوط النظام السوري السابق ووصول سلطة جديدة برئاسة أحمد الشرع، حليفة لأميركا ولدولٍ عربيّة، وصديقة لتركيا، وتقبل بعقد اتفاق مع العدوّ الإسرائيلي، والذي بدأت الاجتماعات السوريّة – الإسرائيليّة برعاية أميركيّة لانضمام سوريا إلى الدول الموقِّعة على اتفاقات أبراهام.
هذا التحوّل في سوريا انعكس على لبنان وعلى محور المقاومة، الذي أُصيب بنكسة عسكريّة فرضت عليه القبول باتفاق وقف إطلاق النار، دون أن يُسلِّم بأنّ المقاومة انتهت وأنّ سلاحها يجب أن يُسلَّم. وهذا ما خلق إرباكًا داخل الحكومة التي يشارك فيها الثنائي "أمل" و"حزب الله"، إذ انسحب من جلسات الحكومة التي اتخذت قرار تسليم السلاح، وهو ما كاد أن يؤدّي إلى اشتعال فتنة في الشارع، لكن جرى تداركها في جلسة الحكومة في 5 أيلول. لكن تجمّع الروشة لـ "حزب الله"، الذي أجازه محافظ بيروت مروان عبود دون إضاءة صخرة الروشة بصورتي السيّدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، لم يلتزم به الحزب. فصدرت ردّة فعل من رئيس الحكومة نواف سلام، طالبًا توقيف مَن خالف القرار، وقرّر الاعتكاف، فدخل لبنان في أزمة حكوميّة وأخرى سياسيّة، وتعبئة مذهبيّة، وقطع الطريق على أي حوار سعوديّ مع "حزب الله" الذي طلبه.

