إسلام جحا _ خاصّ الأفضل نيوز
الإهمالُ سيِّدُ الموقفِ دائمًا في لبنان. فبُعيدَ الحراكِ الشَّعبيِّ عامَ 2019، بدأت ندوبُ الأزماتِ تظهرُ في الجسدِ اللُّبنانيِّ: غلاءٌ فاحشٌ وبطالةٌ تجاوزت 29,6% في كانون الثاني 2022، وفقرٌ مدقعٌ وهجرةٌ للشَّباب نحوَ المجهول!.
ولأنَّ اللُّبنانيَّ دائمُ البحثِ عن البدائلِ والحلولِ، ويتكيَّفُ مع كلِّ الظروفِ المحيطة، فإنَّ كثيرًا من الشِّبابِ استعاضوا عن سيَّاراتهم بالدَّرَّاجات النَّاريَّة التي باتت تشكِّلُ نحو 40% من سوقِ مبيعاتِ وسائلِ النَّقلِ، وستتخطّى هذه النِّسبةُ 50% مع بداية عام 2023، وفق تقديراتِ نقاباتِ السَّيَّاراتِ والمركباتِ، ظنًّا منهم أنَّ هذه الخطوةَ من شأنها أن تخفِّفَ عنهم عبءَ دفعِ ثمن التَّسعيرةِ العاليةِ للبنزين، وتسهيلًا لعمليَّةِ تنقُّلهم من مكان إلى آخر، ولكنَّ المفارقةَ العجيبةَ أنَّ بعضَهم بات يجد في الدَّرَّاجاتِ النَّارية مصدرَ رزقه، فأضحت "تاكسي" لنقلِ الطُّلَّاب إلى المدرسةِ باشتراكٍ شهريٍّ، ووسيلةً لتنقُّل جميعِ أفرادِ العائلة من خلالها وخصوصًا بعد الحربِ السُّوريَّةِ ووفودِ اللَّاجئين السُّوريِّين إلى لبنان عام 2011، فهل هي فعلًا الحلُّ الآمنُ والأمثلُ للغلاء والزّحمةِ؟ وماذا عن المخالفات التي تطالُ سيرها على الطُّرقاتِ اللُّبنانيةِ؟ وكيف يمكن الحدُّ من مخاطرِ حوادثِها القاتلة؟.
في الواقع، تشيرُ إحصاءاتُ مركزِ الدَّوليَّةِ للمعلومات إلى أنّه تمَّ استيراد 29,102 درَّاجة ناريَّةٍ في العام 2021، ليرتفع العددُ إلى 47,077 درَّاجةً عام 2022 ليصلَ العددُ الكلِّيُّ خلال السَّنوات السِّتّةِ الأخيرة إلى 117 ألف درَّاجة. وهنا تُطرَح إشكاليَّةُ قانونيَّة سيرها، في ظلِّ غياب المراقبة وتغييب قانون السَّير من جهة، واهتراء البُنى التَّحيَّة وسيرُ الدَّرَّاجاتِ والشَّاحناتِ والمشاة على الطَّريقِ نفسِه من جهةٍ أخرى. إنَّ الدَّرَّاجات النَّاريّة، وحسب القانون المعمول به، يجب أن تُسجَّلَ كالسَّيَّاراتِ تمامًا، كما أن سائقها يجب أن يحوزَ على شهادةٍ في القيادةِ أيضًا، لكن المفاجأةَ الصَّادمةَ تظهَرُ بالأرقام، فإجماليُّ الدَّرَّاجاتِ المسجَّلةَ في لبنانَ بلغ نحو 289 ألف درَّاجةٍ، في حين يبلغ العددُ غير المسجَّل وغير المؤكّد نحو 300 ألف درَّاجةٍ حتّى الآن، وهنا تكمن خطورةُ ذلك مع غيابِ الوعيِ بامتلاكِ أصحابِها الأوراقَ الخاصَّةَ بها ما يسهِّل عمليَّات السَّرقة التي تطالُ هذه الدَّرَّاجات بصورةٍ مباشرةٍ وبيعها.
إنَّ الالتزامَ بمعاييرِ السَّلامةِ الشَّخصيَّةِ أثناء القيادة التي تترافق غالبًا مع "الزَّوربة" بين السَّيَّاراتِ والمارَّة مفقودٌ للأسف، وما يزيدُ الطِّين بلَّةً هو ممارسةُ قيادتها من قبل مراهقين بطرقٍ "بهلوانيّة تزيد من نسبِ الحوادثِ على الطُّرقات اللُّبنانيَّة، إذ تسبِّب الدَّرَّاجاتُ النَّاريَّةُ في لبنان إصاباتٍ في حوادث السَّير 35 مرةً أكثر ممَّا تسبِّبه السَّيَّارات، وفق دراساتٍ أعدَّتها جمعيَّاتُ متخصِّصةٌ بحوادثِ السَّير.
ولضبطِ الفوضى في سيرِ الدَّرَّاجاتِ النَّاريَّة، كان مجلسُ الأمنِ المركزيِّ قد أصدرَ قرارًا عام 2008 يمنع تجوُّلَ الدَّرَّاجات النَّاريَّة في بيروت ليلًا، ولكنَّ الملاحظ أنّ ثمةَ تراخيًا في تطبيق القانون الَّذي يظلّ حتَّى اليوم حبرًا على ورقٍ أو تباينًا في تطبيقه بين منطقةٍ وأخرى على مذهبِ "أولاد السِّتّ وأولاد الجارية"، ممَّا يدقُّ ناقوسَ الخطر للحدِّ من خطر الدَّرَّاجات النَّارية في بلدٍ يغيبُ فيه الحسابُ وتتعطَّل فيه المحاسبة!.

