اعتبر مفتي محافظة بعلبك -الهرمل، الشيخ بكر الرفاعي، في خطبة الجمعة، أن "دروس التاريخ تتكرر أمامنا في لحظات المحن: أقلية تواجه جيوشًا، وقلوب تثق بوعد أكبر من كل احتمال"، مشددًا على أن "الإيمان يوسّع الأرض ويمنح الناس صبرًا على الابتلاء حتى يكتب الله الفرج".
وأوضح الرفاعي أن "المشهد التاريخي لحفر الخندق يعكس قيادة تشارك في العمل ولا تكتفي بالأوامر، ويظهر مجتمعًا يطبّق القول بالفعل، حيث تبدأ المعركة الحقيقية حين يتساوى الجميع في الجهد والمسؤولية".
وأشار إلى أن "ما حفره الصحابة هو مرآة لما تفعله أنفاق المقاومة في غزة اليوم: بنى خفية تحوّلت إلى قدرة تفاجئ المعتدي، وتعلّم أجيالًا أنّ الإعداد والصبر والبناء السري قد يغيّر موازين القوة في وقت الحسم".
وأكد أن "تحالفات الأعداء عبر العصور تذكّرنا بأن السياسة ليست أخلاقًا دائمًا، وأن المصالح تُقرب ما باعدته العقائد، لذا يلزمنا وعي سياسي متين يميّز بين المصلحة والضلالة ويحافظ على وحدة الأمة ومجتمعاتها ضد فخاخ التقسيم".
ولفت الرفاعي إلى أن "العدو لا يهدف فقط إلى ضرب مواقع عسكرية، بل يستهدف المصانع والمنشآت المدنية لشل الاقتصاد وقطع مصادر الرزق، وسلسلة الاعتداءات تمتد من مصيلح إلى الجنوب، وهدفها منع إعادة الإعمار وإبقاء الناس في ضعف؛ لذلك لا بدّ من صمود مدني منظم، وتوثيق للجراح، ودعم مستمر للمتضررين لحفظ كرامتهم ومستقبل الأجيال".
وأضاف: "ضربات العدو على لبنان ليست مجرد أرقام؛ إنها تزرع الخوف وتُعطّل المدارس والمستشفيات وتعبث باقتصادات الناس، لذا فإن الرد الحقيقي يبدأ بتعزيز التضامن الوطني وإسناد المتضررين وإظهار أن أي محاولة لزرع الفرقة ستصطدم بعزيمة شعبية لا تكسرها الصواريخ".
وأشار إلى أن "الحصار والجوع يختبران ضمائر الشعوب، وفي خضم الألم تظهر أبهى معانٍ من الإيثار والتضامن، حيث تتقاسم المنازل قوتها ويؤسس المتطوّعون شبكات تخفف الألم، وهذا البناء الاجتماعي هو الذي يصمد أمام سياسات الإقصاء".
وأعلن الرفاعي أن "صناديق المساجد الأسبوع المقبل ستكون مخصصة لدعم غزة، لتكون مساهمة المواطنين جسراً نحو حياة كريمة وإعادة بناء لا تنتظر المعجزات بل نصنعها معهم".
وختم: "القدس هي البوصلة، والوعي هو السلاح؛ فلا يكفي أن نحزن على المصاب، بل يجب تأسيس ثقافة سياسية ومدنية تخرّج أجيالًا تعمل في المؤسسات، تحمينا من الانقسام، وتحوّل مشاعر الألم إلى قوة منظمة قادرة على تغيير واقع جائر".

