زياد العسل _الأفضل نيوز
تعتبر صناعةُ الفخَّار من أبرز الصِّناعات الحرفيَّة التي اشتهرت بها بعضُ المناطق اللَّبنانيَّة، وذلك بحكم موقعها الجغرافيِّ. وقد سُمّيَت منطقةُ راشيا الفخَّار على سبيل المثال بهذا الاسم، نظرًا لاشتهارها بهذه الصِّناعة العريقة، كذلك الأمر بالنِّسبة لقرية بيت شباب ودير كوشة.
هذه الصِّناعةُ تحتاج إلى كثيرٍ من الوقتِ والجهدِ حتى يتمخَّض عنها منتجٌ جيِّدٌ وفنيٌّ. فالدلغان (نوعٌ من التُّراب) هو المصدرُ الأساسُ لصناعة عجينة الفخَّار، بعد أن يتم تحريكها من قبل العاملين فيها في أحواضٍ مائيّةٍ، ويَلي ذلك مرحلةُ الذَّوبانِ والتَّجفيفِ، لينتهيَ الإنتاجُ عند موعد الاستعمالِ بعد وضعها على دولابٍ يُعطي الصِّيغةَ الفنيَّةَ والزَّخرفيَّةَ التي يريدها العاملُ فتظهر بشكلٍ نهائيٍّ بعد 15 يومًا من مرحلة التَّجفيف.
وقد شهدتِ السَّنواتُ والعقودُ الأخيرةُ تراجعًا في هذه الصِّناعة، نظرًا للتَّقدُّم التِّقنيِّ والتِّكنولوجيِّ، فلم يتبق أكثر من خمسةِ مصانعَ في مناطقَ محدَّدةٍ، يحترفون هذه الصَّنعة أبًا عن جدٍّ، لكسب لقمةِ عيشهم في هذه الظُّروف الصَّعبة من جهةٍ، وحفظها من الزَّوال من جهةٍ أخرى.
في هذا السٍّياق، يؤكِّد رئيسُ بلدية ضهر الأحمر السَّابق غالب بحمد (صاحب معملٍ لتصنيع الفخَّار) "أن نوعيّةَ التُّربة في المنطقة جيِّدةٌ، لذا نقوم بتجهيزها وخلطها لتتناسبَ مع صناعة الفخاريَّات، سواء الإبريق أو الجرّة أو الصَّحن. ونحن اليوم مستمرّون؛ لأنه ثمة مدخولٌ آخر، ولا يمكن أن تكون هذه الحِرفةُ مصدرًا للعيشِ بشكلٍ مستقلٍ".
وككلِّ القطاعات، ثمّة تحديّاتٌ على شتَّى الصُّعد فيما يتعلَّق بعمليّة إنتاج الفخَّاريات، ولعلَّ أبرزها هو الدَّعمُ الماديُّ واللُّوجستيُّ، خصوصًا في ظلِّ انهيار العملة وتسديد ثمن القطعة الفخَّاريَّة بالدُّولار، كما يشيرُ بحمد، والجمعيّات الحرفيَّة أو المعنيَّة بالحفاظ على التُّراث اللبنانيٍّ يقتصر عملُها اليوم على شراء بعض من المنتجات لا أكثر، ووزارةُ الصِّناعةِ لا تقوم بالدَّور المطلوبِ.
"الهدفُ المركزيُّ الذي نصبو إليه هو الحفاظُ على هذه الصِّناعة الحرفيَّة، بما تحمل من بُعدٍ تاريخيٍّ وتراثيٍّ كبيرٍ، ونظرًا لارتباطها الوثيقِ بهذه المنطقة والذَّاكرة الجمعيَّة اللُّبنانيَّة"، يقول بحمد الذي توجّه برسالةٍ إلى الصِّناعيِّين مفادُها "ضرورةُ التَّشبثِ بما يقومون به رغم الظُّروف الصَّعبة المحيطة"، مناشدًا الدَّولة بأن "تقوم بتشييد تماثيلَ لكلِّ صِناعيٍّ مازال مؤمنًا بهذا العمل الجبَّار، الذي لم يعد يستطيع أن يؤمِّن لقمةَ عيشِ أيِّ عاملٍ في ظلّ الظروف الصِّعبة، ولكن الصُّمودَ أمرٌ مهمٌّ في هذه المرحلة الاستثنائيّة. ونطالب بخُطةٍ جِديَّةٍ للنُّهوض بالصِّناعات الحرفيَّة، وتثبيتها مهنةً وحرفةً ومقومًا تاريخيًا وتراثيًا من مقومات الثَّقافة الوطنيَّة".

