الديار
ما حصل البارحة في السوديكو وفي عاليه من عمليات إقتحام لفروع مصارف من قبل مودعين لأخذ ودائعهم بالقوة، يدلّ على أن لبنان إنتقل إلى مرحلة جديدة. أحقّية مطالب المودعين هو أمر محسوم ولا أحد يُمكنه مُعارضة هذا الحق نظرًا إلى أنه مُكرّس في الدستور. لكن أن تصل الأمور إلى حد أن يذهب المودع بالسلاح لسحب ودائعه، فهذه سابقة ليس فقط في لبنان بل يُمكن القول إنها سابقة في العالم أجمع!
أربعة حوادث من هذا النوع حصلت حتى الساعة منذ بداية الأزمة، والأخطر أن «الحبل على الجرار» حيث من المتوقع أن تزداد الوتيرة يومًا بعد يوم خصوصًا أن الحكومة تخلّت عن مهامها كسلطة أولى ووحيدة في تطبيق القوانين. هذه السلطة التي أعطاها إياها الدستور وكرّستها القوانين تنص على حق إستعمال القوة المُشرّعة من قبل الدولة لفرض القانون وتطبيقه أو ما يُعرف بالعنف المُشرّع.
الحكومات المُتعاقبة وتحت عنوانين عدّة (السلم الأهلي، الوضع الاقتصادي...) تخلّت عن دورها في فرض القوانين وتركت للمواطن حرية جلب حقه بيده بعيدًا عن دولة القانون والتي تنصّ على أن القضاء هو الوحيد الذي يُعطي الحق بين طرفين في حال نزاع!
حق المودعين مُكرّس في الدستور وهذا الأمر يفرض على الدولة إعطاء القضاء إستقلاليته لكي يقوم بدوره المنوط به على أكمل وجه بعيدًا عن التدخلات السياسية. إلا أن هذه الأخيرة منعت وتمنع إقرار قانون إستقلالية القضاء والأيام القادمة ومع إستفحال الأزمة المعيشية، ستظهر إلى العلن شريعة الغاب أكثر فأكثر.
المُشكلة الإضافية التي تظهر أن الحلول التي تقترحها الحكومة في خطّتها الإنقاذية لا تذهب بإتجاه حفظ حقوق المودعين وهو ما يعني أنه وبغياب سلطة القانون، هناك مخاوف من أن تتصاعد وتيرة الأحداث هذه.
خطّة الحكومة «الإنقاذية» هي عبارة عن وعود شبيهة بتلك التي كانت ترد في البيانات الوزارية للحكومات المُتعاقبة. هي عبارة عن وعود لن تنفذها الحكومة ولا الحكومات المُتعاقبة بحكم أن التنفيذ يتطلّب موافقة كل مكونات الحكومة التي هي إمتداد للنسيج السياسي اللبناني وهو أمر شبه مُستحيل.
وتنص خطة الحكومة في مُعالجة مسألة المودعين على تصنيف الودائع بين ودائع «مؤهّلة» وودائع «غير مؤهّلة» حيث يتم وضع الودائع التي حوّلت من الليرة إلى الدولار بعد 1 تشرين 2019 في هذه الخانة وكأن المودعين الذين قاموا بهذه الخطوة، قاموا بعمليات غير قانونية!!!! أيضًا تعد الخطة بحماية «مُطلقة» للودائع لغاية 100 ألف دولار أميركي ويتم دفعها بالدولار أو بالليرة وهو أمر مُستحيل إلا إذا إمتدّ على عقود! وماذا عن الودائع التي تفوق الـ 100 ألف دولار؟ هل هي غير مؤهّلة؟ هل سرقها أصحابها؟ للأسف هذا يُظهر مُخطّط تذويب الدين العام على حساب الودائع.
من بين الوعود أيضًا التي أطلقتها الحكومة في خطتها الإنقاذية، خفض عدد العاملين في الدولة اللبنانية 50% خلال الخمس سنوات القادمة! وهنا كلنا يعلم أن التوظيفات السياسية في الدولة هي أساس في تكوين الزعامات وهي الخزان الأساسي للإنتخابات النيابية والبلدية، وبالتالي هل ستتخلّى الأحزاب اللبنانية عن هذا الخزان كرمى لعيون صندوق النقد؟ الجواب بالطبع لا. الجدير ذكره أن قانون سلسلة الرتب والرواتب منع التوظيف وعلى الرغم من ذلك إستمرّت الحكومة بالتوظيف حتى وصل العدد إلى أكثر من 330 ألف موظّف!
أيضًا ورد في الخطة أن الحكومة ستُنفذ خطة الكهرباء التي وافقت عليها وسيكون لدى اللبنانيين كهرباء 24 على 24 في العام 2026. هل من عاقل سيُصدّق هذه الوعود التي تستمرّ منذ العام 2010؟ الجواب بالطبع لا. فالحكومة غير قادرة حتى على تعيين الهيئة الناظمة التي نصّ عليها القانون لإدارة قطاع الكهرباء، فكيف لها أن تستطيع تنفيذ الخطّة؟
أيضًا ورد في خطّة الحكومة أنها تُريد أن توسّع القاعدة الضريبية من خلال زيادة عدد المكلفين بنسبة 10% سنويًا، وهذا أمر جيد. لكن كيف ستقوم الحكومة بتنفيذ هذا الأمر؟ الخطة تقول إنه من خلال البلديات التي ستقوم بعمليات إحصاء للأعمال التجارية والهدف خفض الاقتصاد غير الرسمي. لكن المُشكلة الأساسية هي أنه حتى الأعمال الشرعية تقوم بالتهرب من دفع الضرائب وذلك بسبب الاقتصاد النقدي الذي تتهرب الحكومة نفسها من مكافحته. أضف إلى ذلك أن المحميات السياسية ستمنع المس بالعديد من الأشخاص والمؤسسات.
من ناحية النفقات، ورد في الخطة أن الحكومة تهدف إلى إقفال مؤسسات القطاع العام التي لا تعمل، وتوزيع موظفيها على إدارات أخرى أو تقديم لهم محفزات للتقاعد. نظريًا هذا ما طالبت به لجنة المال والموازنة منذ سنين في تقريرها عن مشاريع الموازنات. وهنا نسأل: هل ستتمكّن الحكومة من إقفال مؤسساتها ذات الطابع الحزبي خصوصًا أن عددها يفوق التسعين مؤسسة بحسب تقرير لجنة المال والموازنة لمشروع موازنة العام 2019.
أما مُشكلة النقل فحدّث ولا حرج، إذ على الرغم من ارتفاع أسعار المحروقات بشكل صاروخي وإنعدام القدرة الشرائية للمواطن اللبناني، لم تقم الدولة بوضع الباصات التي تلقتها على شكل هبة من فرنسا، في الخدمة والسبب تأثير مافيات الباصات والتكسيات على القرار السياسي حيث تقف الباصات الفرنسية في مواقف منذ أن وصلت إلى لبنان! فعن أي حلول لهذه المُشكلة يتحدّثون؟
ولا يقف تأثير المافيات المُنتشرة على هذه القطاعات، بل تطال أيضًا المياه والصرف الصحي حيث وعدت الحكومة بحلّ هذه المُشكلة وكلنا يعلم أن هذا شبه مُستحيل! حل هذه المُشكلة – بحسب الحكومة – يأتي من خلال مسوّدة مشروع «قانون المياه»، لكن الحكومة نسيت أن المافيات تتواطأ مع العاملين في الدولة لقطع المياه عن الأحياء بهدف تأمين عمل شاحنات المياه. كذلك الأمر بالنسبة إلى الصرف الصحي حيث أن الإتحاد الأوروبي قدّم تمويلا للعديد من المناطق لمد شبكة صرف صحّي منذ ما يُقارب العشرة أعوام وحتى الساعة، لا يوجد إمدادات صرف صحّي في مُعظم المناطق.
ويبقى التهريب المُشكلة الأولى والأكبر على هذا الصعيد والذي يستنزف كل مُقومات الدولة المالية والنقدية والإقتصادية، قائم على قدم وساق مع غطاء سياسي للمهرّبين العابرين للطوائف والأحزاب والذي إستطاع الجيش اللبناني كشف قسم كبير منهم في قطاع المحروقات في صيف العام 2021 من دون أن يكون هناك أي محاسبة لهؤلاء المُهربين!
والمُلفت في الأمر، النظرة التفاؤلية من ناحية الإستثمار والإدخار في خطة الحكومة. هذه النظرة التفاؤلية بالتأكيد مبنية على أسس غير علمية نظرًا إلى أن بلدا في وضع لبنان لا يُمكنه بسهولة إستعادة ثقة المُستثمرين بهذه السهولة إلا إذا كان هناك من وعود من دول أو مؤسسات لتأمين هذه المبالغ وهو أمر لا يُمكن إعتماده في خطّة إنقاذية من المفروض أن يتم ترجمتها إلى خطوات عملية.
على كل الأحوال ما حصل في السوديكو وعاليه البارحة، سيتكرّر في المستقبل ولن توقف خطة الحكومة – حتى ولو أقرّها المجلس النيابي – هذا الترابط السلبي بين الوقت وتردّي الوضع المعيشي.

