طوني خوري- النشرة
كالعادة، تضيع الأمور في أكياس المشاكل المكدّسة على طرق الحلول المقطوعة، ويُصبح البحث عن مشكلة أساسية بمثابة أمرٍ ثانويٍّ بعد بروز قضية ما-إيجابية كانت أم سلبية- تخطف الأنظار وتعيد عقارب الساعة إلى النقطة التي سبقت حصول المشكلة الجديدة، التي اطلت من حيث لا يدري اللبنانيون لضمان نسيانهم المشكلة الرئيسية.
وكي لا يطول الكلام، ننطلق من "المزاح" الذي خرج به رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي من قصر بعبدا بالامس، وقال فيه أنه سينام في القصر حتى تشكيل الحكومة. هذه المزحة التي ألقت بثقلها على اللبنانيين، إنما عبّرت عن ارتياح ما خرج به ميقاتي من لقائه مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ردّه البعض إلى ثلاثة أمور اساسية: تسارع الامور على خط ترسيم الحدود البحرية الجنوبية بعد الكلام الصادر عن الخارجية الاميركيّة بالأمس، وحسم مسألة رئاسة الوفد اللبناني إلى أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بعد اللغط الذي حصل والغموض حول من سيكون رئيس الوفد (عون أم ميقاتي)، وما يقال عن ضغط يمارسه حزب الله من أجل الإسراع في تشكيل الحكومة لتفادي سيناريوهات غامضة تبقى نتائجها غير مؤكدة.
ولكن بعض الظرفاء أبدى خشية من أن يستسيغ ميقاتي "النوم في بعبدا"، فيخلف عون قبل انتهاء ولايته، ويكون كلامه تمهيداً للقول بأنه سيكون الرئيس المقبل للجمهورية طوال فترة الفراغ، شاء من شاء وأبى من أبى، فيتحوّل الشك من إمكان عدم مغادرة عون القصر إلى إمكان تمسّك ميقاتي بالقصر، وهنا المصيبة أكبر، لأن المشكلة ستكون أكثر تعقيداً من النواحي كافة.
ولعل الارتياح يعود أيضاً إلى حلحلة على خطّ "اليونيفيل" بعد قرار مجلس الامن الذي أحرج الحكومة والجيش اللبناني، قبل أن تتدخل القوات الدولية نفسها لازالة الغموض، والتأكيد على التنسيق مع الجيش في التحرك، لأنه عكس ذلك كان الوضع سيشكل حرجاً كبيراً لميقاتي الذي سيتواجد في نيويورك وسيُسأل عن وضع حزب الله وموقف الحكومة من القرار الدولي الذي يكسر نظرياً قيود التحرك لـ"اليونيفيل".
وفي مقابل مزاح ميقاتي، كان الوضع أكثر جدياً على الجبهة المعيشية والاقتصادية والمالية، حيث عانق الدولار الأربعين ألف ليرة، وتنامت "كوارث" الغلاء الذي طال كل أقسام الحياة بشكل هستيري، إضافة إلى الحيرة التي تركها كلام عون حول بقائه وخروجه من قصر بعبدا عند انتهاء ولايته. من هنا، كان يجب القيام بخطوة ما تحرّك المياه الراكدة على الخطّ الحكومي، ولعل كلام النواب في جلسة الموازنة، وتلميحهم الى أهمية ايجاد حكومة فاعلة وكاملة الصلاحيّات، أوحى بأن مساعي الحزب بدأت تعطي ثمارها، وانه تم بالفعل تذليل عقبات اساسية كانت ترفع حدة الخطاب وتعيق التفاوض على حلول، لتكون الحكومة العتيدة في صالون الإنتظار ريثما يعود ميقاتي من رحلته الخارجية.
ووفق ما يتمّ الحديث عنه، فإنّ كلام عون بين البقاء والرحيل وتداعياته، ولو أن المتابعين والمراقبين والمحللين يجزمون بأنّه من المستحيل أن يبقى الرئيس دقيقة واحدة في القصر بعد منتصف ليل 31 تشرين الاول المقبل، ترك مكاناً للتحليل والقلق إزاء ما يمكن القيام به، خصوصاً لجهة استعمال الشارع للتنديد بصلاحيّات حكومة سوف تستلم البلد وهي مستقيلة وتكتفي بتسيير الأعمال. وكان الحل الأنسب العمل على تشكيل حكومة فاعلة لن تغيّر في الأمور شيئاً، ولن تؤثر على أيّ طرف من الاطراف، ولكنها ستكون في الشكل مقبولة من الجميع وسيكون من "الحلال" التعامل معها بعد أن تم تصوير التعاطي مع الحكومة الحاليّة في مرحلة الفراغ الرئاسي، على أنه "حرام".

