ريما الغضبان _ خاصّ الأفضل نيوز
في عالمٍ مُختلف وُلدوا ليكملوا هذا الاختلاف، في حياةٍ اناسُها لا يتشابهون بشيءٍ، فهناك الجميل والقبيح، الأسود والأبيض... وهم، ذوو الإعاقات الخاصَّةٍ الذين لا يمتُّون للبشر بصلةٍ فهم لم يتلوَّثوا بقبح هذا العالم، فكيف للإنسان أن يتقبَّل الملائكةَ على الأرض؟
على هذا الكوكب قُدِّرتْ لهم الحياة، ليجعلوا منها شبهَ جنةٍ على الأرض، شبه جنّةٍ بالبراءة، بالحبِّ والمعاملة الحسنة. إلا أن المثل الشَّعبيَّ "خيرًا تعمل شرًّا تلقى" طُبّق عليهم. ففي بلدٍ نامٍ، ما زال الإنسانُ المعوَّقُ مرفوضٌ من قبل شريحةٍ كبيرةٍ من المجتمع اللبنانيِّ أو "يُشفق عليه" ولا يُحترَمُ كغيره، وهذا ليس بالشيء المُفاجئ، فالدَّولةُ اللبنانيَّةُ "يا دوب تتطلّع فيهم" فلا عتبَ على الشَّعب.
هم أشخاصٌ مختلفون وليسوا متخلّفين، فقد عرّفت منظمةُ الأمم المتَّحدة الأشخاصَ ذوي الإعاقة على أنّهم: "كلُّ من يعاني من عاهات طويلة الأجل، بدنيّةٍ أو عقليّةٍ أو ذهنيّةٍ أو حسِّيّةٍ، قد تمنعهم لدى التَّعامل مع مختلف الحواجز من المشاركة بصورةٍ كاملةٍ وفعالةٍ في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين".
أما لبنان، ما زال يستخدم تعريفًا طبيَّ التَّوجُّه يتأثر بتعريف منظّمة الصِّحَّة العالميّة، وهو وسطيٌ بين التّعريفات الواسعة المعتمدة في الدّول الصّناعيّة الغنيّة وتلك الضيّقة المعتمدة في باقي البلدان العربيّة والدول النامية، إلا أن هذا التَّعريف يفتقرُ إلى البُعد الاجتماعيِّ والحقوقيِّ الصريحِ الذي تطرّقت إليه اتّفاقية الأمم المتحدة للأشخاص ذوي الإعاقة. من هنا فإن التّعريف المعتمد في لبنان لا يشمل أنواع الإعاقات كافةً، كالإعاقة النّفسيّة والصعوبات التّعلميّة والإعاقات المؤقّتة أو المرتبطة بأمراضٍ كحالات الفشل الكلوي أو السّكري أو أمراض القلب المختلفة أو التهابات المفاصل وغيرها من الأمراض التي تُعيق الإنسان عن الاستمرار في حياته بشكلٍ عاديٍ.
نسبٌ تُختصر ببطاقة المعوَّقِ الشّخصيّةِ
لا تتناول عملياتُ الإحصاء وتعدادُ السّكان بياناتٍ رسميةً خاصةً بالإعاقة وفق ما تُفيد به إدارة الإحصاء المركزي، إلا أن الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان هم رسميًّا وقانونيًّا حملةُ بطاقة المعوّق الشخصية، التي بدأت وزارةُ الشُّؤون الاجتماعية إصدارَها منذ التِّسعينات للأشخاص ذوي الإعاقة الذين يسجِلون أنفسَهم لدى الوزارة طوعًا. وهذا يعني تقديمهم معلوماتٍ عن العمر والجنس والمستوى العلمي والوظيفة ومحل الإقامة ونوع الإعاقة. إن مجموعَ بطاقات المعوَّق الشَّخصية الصّادرة عن الوزارة حتى العام 2022 بلغت ما يقاربُ 980 ألفًا، بينهم 62% ذكور و38% إناث، الأمر الذي يرجعه التقرير إلى أنّ عدد الرجال الملتحقين بصفوف القوى العاملة والأعمال الحربيّة أكبر بكثير من مجموع النساء العاملات. أما من حيث توزيع الرقم، حسب نوع الإعاقات، فإن إحصاءات بطاقة الإعاقة تظهرُ أن 55% هم من الإعاقة الجسدية، 5,28% هم من الإعاقة الذهنية 5,8% من الإعاقة السمعية، 6,7% من الإعاقة البصريّة والباقي تُصنفُ إعاقات مركبة. أما الملحوظة الأهم فهي أنّ عدد حملة بطاقة المعوّق الشخصية الذين لم يتخطوا سنّ الثامنة عشرة هو أقل من 14% من مجموع عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان، مما يعني أن توقف الأعمال الحربية بسبب الحرب الأهلية ونجاح الدولة اللبنانية في مكافحة شلل الأطفال، وسعي المواطنين اللبنانيين إلى توفير اللقاحات المضادّة لأمراض قد تُلحِق الضرر بالعينين أو الأذنين هي من الأسباب التي أدت إلى تناقص عدد الأشخاص ذوي الإعاقة لدى الجيل القادم.
مدارس الأشخاص ذوي الإعاقات تئنُّ!
تشيرُ آخر الإحصاءات التي نشرتها إدارة الإحصاء المركزي في لبنان، إلى أن عدد المدارس والجمعيات التي تُعنى بالأشخاص ذوي الإعاقات الخاصة يبلغ حاليًا نحو 120 مدرسةً موزعةً على المحافظات اللبنانية كافةً. ولكن، هذه المدارس تحاول اليوم، على قدر المستطاع، البقاءَ على قيد الحياة وتأمين التعليم للأطفال كافةً في ظل الظروف القاهرة التي يمُرُ بها لبنان.
يقول مدير مركز مهارات للأشخاص ذوي الإعاقات الخاصة الأستاذ رضوان الحشيمي في حديثٍ خاصٍ للأفضل نيوز: "نمرُ اليوم بظروفٍ صعبةٍ ولكننا نعمل على إنتاج عام دراسيٍ ناجحٍ. أما فيما يخُص دور الدولة في مساعدة هذه الجمعيات كانت وزارة الشؤون تغطي 64 تلميذًا من مجمل 120، إلا أننا منذ عامين لم نحصل على أيّ مساعدة مادية، وبالتالي فإن مُستقبل معظم التلاميذ مهددٌ لهذا العام، فالأهالي غير قادرين على تسديد الأقساط ما ينذرُ بخسارة العام الدراسيِّ لهؤلاء".
ويتابع الحشيمي: "إن عددًا من ذوي الإعاقات الخاصة في المركز هم من الجنسية السورية، وتغطيهم منظمة الأمم المتحدة بشكلٍ كامل". ويؤكد الحشيمي: "هؤلاء الأطفال هم مسؤوليتنا، وسنعمل على مستقبل أفضل لهم حتى في هذه الظروف".
من تغطيةٍ كاملةٍ من قبل وزارة الشؤون لعددٍ كبيرٍ من التلاميذ إنحدرت إلى تغطية "صفر"، وإن كان هناك بعض المساعدات فهي بالليرة اللبنانية التي لم تعد تساوي شيئًا أمام هذا الغلاء الفاحش. فمن هو المسؤول عن مستقبل هذه الفئة؟
وعن النَّقص الحاصل في تأهيل المدارس والمراكز يقول نواف كبارة، رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان: "في مجال التربية والتعليم، يتبيّن بكثير من الأسف نقصٌ في تأهيل المدارس من حيث الملاك التَّدريسي والتجهيزات أو المباني، وغياب التأهيل المناسب عن المناهج، التي من المفترض أن تعلم الطلاب على تقبل "الآخر المختلف" والانفتاح على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وما إلى ذلك من المفاهيم الإنسانية العصرية التقدمية بطبيعتها".
إمكانُ الوصول متعذّرٌ!
على عكس الدول المتطورة، ما زال المعوَّقون في لبنان لا يتمتَّعون بأبسط الحقوق، وهو الحقَّ بالتنقل. فكم، من تلميذٍ لا يستطيع الوصول إلى المدرسة أو حتى إلى الأماكن العامة؛ بسبب غياب طرقاتٍ مؤهلة ووسائل نقل مخصصة لهم. ويطالب كبارة بتبني الخلاصة التي توصل إليها المسح الميداني تأهيل 612 مؤسسةً عامّةً أو خاصّةً معدَّةً للاستعمال العام في العاصمة بيروت وضواحيها المباشرة. وقد صدرت الدراسة في العام 2006، حين أعلنت أن 95% من تلك المؤسسات التي جرى عليها لا يجوز اعتبارها مؤهلة هندسيًا وبيئيًا، أي أنها تفتقر إلى إمكان الوصول. ويدعو هذا الواقع إلى الأسف الشديد، ولاسيما بعد انقضاء خمسة أعوام على صدور المرسوم 7194 التطبيقي للقانون 220 عن مديرية التنظيم المدني. والمرسوم خاصٌ بتأهيل البيئة هندسيًا، وهو يمنح مهلة ستة أعوام لاستيفاء معايير الحد الأدنى للتأهيل، والإضافة إلى النقص الفاضح على صعيد المواصلات العامة وتأهيلها، وتوفير خدمات النقل المسهّلة التي تضمن إمكان الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة".
لا تعليم دامج في لبنان
محمد.ش يعاني فقط من الإعاقة الحركية ومن حقِّه حسب القانون أن يُدمج في مدارس عادسة ولكن، محمد لم يتمكن من الالتحاق بمدرسة بسبب عدم تقبل مدراء معظم مدارس في البقاع لهذا الأمر، مما جعله يلتحق بمركزٍ لذوي الإعاقات الخاصة مرغمًا وتعلم القليل على غرار زملائه. وتشير والدة محمد إلى أن "ابنها طفلٌ ذكيٌّ جدًا، لذا أتمنى أن يتم العملُ بالتعليم الدامج يومًا ما في لبنان من أجل مستقبلٍ أفضل لمحمد وغيره الكثيرُ من الأولاد".
إن المسارَ التَّعليميَّ للأطفال ذوي الإعاقات الخاصة في لبنان في الواقع مليءٌ بالعثرات اللوجستية والاجتماعية والاقتصادية، التي تُقيّد تجربتهم التعليمية في حال حالفهم الحظ واستطاعوا التسجيل في أي مركز من المراكز، وخاصّة اليوم مع غيابٍ شبه تام لوزارة الشؤون.
يقول مدير مركز مهارات الأستاذ رضوان الحشيمي للأفضل نيوز: "الكثير من مديري المدارس لا يتقبلون أصحاب الصعوبات التعليمية في مدارسهم، التي تفتقر إلى نظام التعليم المدمج الجامع لذوي الصعوبات التعليمية". وفي السّياق عينه يضيف الحشيمي: "على المدارس الرسمية والخاصة توظيّف اختصايّين لمتابعة هذه الحالات في المدارس أو من يسمون ب "معلمي الظل" عندها يُصبح التعليم الجامع ممكنًا".
وعلى الرغم من إقرار الأمم المتحدة للاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أن لبنان لم يُصادق عليها حتى الساعة؛ بسبب المناكفات السياسية التي حرمت، وما زالت تحرم هؤلاء الأطفال من حقِّ التّعلم.
يذكرُ مفوّض الأمم المتّحدة السامي لحقوق الإنسان زيد الحسين: "تم الاعتراف بالتّعليم الجامع باعتباره الوسيلةَ الأنسب للحكومات لضمان العالمية، وعدم التمييز في حق التعليم". ويشير الحسين إلى أن "التعليم الجامع هو ممارسة تثقيف الطلاب ذوي الإعاقات الخاصة في المدارس العادية مع توفير المساعدات الإضافية. وينطوي التعليمُ الجامعُ على الاعتراف بالحاجة إلى تغيير الثقافات والسياسات والممارسات في المدارس لاستيعاب الاحتياجات المختلفة للطُّلاب، (كلٌّ على حدةٍ)".
حقُّهم في العمل: "حدِّث ولا حرج"
يعتمد لبنانُ القانونَ الخاصَّ بحقوق الأشخاص المعوَّقين، لكنه يُطبّق بشكلٍ جزئيٍّ، فالدَّولة اللبنانيَّة تُطبقُ ما يُعجبها منه فقط. وينص القانون 220 على أن نسبة 3% من موظّفي القطاعين العام والخاص يجب أن يكونوا من الأشخاص ذوي الإعاقة لضمان فرص عمل لهم، ولكن الواقع مُغايرٌ لهذا تمامًا.
يروي رئيسُ الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة نواف كبَّارة أنهُ "يتضح من تحليل بيانات حملة بطاقة المعوَّق الشَّخصيَّة أن نسبة 78% ممن هم في سن العمل 18 إلى 64 عامًا، عاطلون عن العمل. كما أن عددًا لا بأس به من العاملين يلتحقون بالقطاع اللّانظامي في الاقتصاد اللبناني، ممّا يعني أن أعمالهم ليست مضمونةً ومهددةً بالتّوقف بصورة شبه فوريةٍ في حال التّعرض لاضطرابات أمنيّةٍ أو اقتصاديّة أو ماليّة. ويواجه الأشخاص ذوو الإعاقة الصُّعوباتِ نفسِها عند التحاقهم بالعمل في القطاعَين العام والخاص".
لا يُمكننا فقط إلقاء اللَّومِ على المجتمع الذي لا يُشجع هؤلاء على العمل فقط، بل أيضًا الدولة التي لا تضمن لهم هذا الحق، وفي المقابل لا يُمكننا أن ننكُر لها الجميل، فهي تذكرهم فقط في صناديق الاقتراع عندها، حينها يصبح لهم الحقُّ كغيرهم من المواطنين اللبنانيِّين. أما إذا أرادوا التَّرشح للمناصب السِّياسيَّة فهذا غير مقبولٍ، لا بل مرفوض لأننا في لبنان بلدُ العجائب".
إذًا، عندما تمرُ الدولةُ مرورَ الكرامِ أمام "أصحاب الهِمَم"... وعندما نُعلِّم أطفالنا على السُّخرية منهم، لن يكون هناك مجتمعٌ راقٍ يومًا فنحنُ والدولةُ شركاءُ نتكاتفُ سويًا لهدم مستقبل ذوي الإعاقات الخاصّة، على عكس البلاد الغربيّة التي لا تملّ من تقديم الأفضل لهم. فأين نحنُ من حقوق هؤلاء مقارنةً بالدُّول الأخرى؟ ولماذا لا يحصلون على فرصهم في هذه الحياة؟! ربَّما الجوابُ يكمن في أنَّ الإعاقةَ الحقيقةَ في المجتمع وليس في الأشخاص!!

