زياد العسل _ خاصّ الأفضل نيوز
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.[النحل:69].
يعدّ إنتاجُ العسلِ من الحِرف التي عرفت بها الأرياف اللُّبنانيَّة منذ القدم. وراشيا الوادي إحدى هذه القرى التي صدّرت إلى العالم أجودَ أنواعِ العسلِ، وقد طوّر أهلُها هذه الحرفة التي استحوذت على معظم وقتهم، فشاركوا في دوراتٍ في أوروبا وسواها، لمعرفة كلّ تطورٍ فيما يتعلّق بطرق الإنتاج.
وفي لبنان، تُقدِّر أرقام وزارة الزراعة اللبنانية عددَ مربّي النَّحل ب 6300 مزارعٍ يعملون في هذا القطاع، في حين يملك هؤلاء ما يقارب ال274 ألفَ خليةٍ تنتج نحو 25% من إجمالي الطلب المحليّ، حسبما أشارت إحصائيات بلوم بنك.
إنّ المنافسةَ اللبنانيّةَ في هذا القطاع تبدو على أشدِّها في هذا القطاع، فمِنَ البديهيِّ أن يكون لكلّ حرفيٍّ في تربية النّحل زبائنه الذين يقومون بشراء العسل من المزارع مباشرةً؛ لأن الثّقةَ شبهُ معدومةٍ في المحلّات التّجارية، الأمرُ الذي يرفع ثمنَ العسل الذي لا يحمل علامةً تجاريَّةً، وفق الخبيرِ في قطاع تربيةِ النَّحلِ سامر جواد.
ويُضيف جواد: "يعمل في قطاعِ تربيةِ النّحل في لبنان نحو 8 آلاف نحّالٍ، معظمهم هواةٌ، وذلك بهدف تأمين مدخولٍ يسيرٍ أو لتأمين مؤونة البيت من العسل. فيما يحترف الآخرون هذه الحرفة بإنتاج ما يقدر بـ 1500 طنٍّ من العسل سنويًا. وتتغيّر هذه الكميَّةُ تبعًا لمعدل الهطولات المطريّة ومقدار توافر المراعي البريّة.
للأفضل نيوز يتحدَّثُ الشّيخُ رمزي البيطار الذي احترفت عائلته إنتاج العسل منذ 1976، فيقول: "يواجه هذا القطاع تحدياتٍ ومشاكلَ تكمن في مبيدات الأعشاب غير المراقبة من قبل وزارتي الزراعة والبيئة، وانتشارِ العسلِ المغشوش الذي يُباع في الأسواق بأسعارٍ منخفضةٍ بما يحوي من بدائل المُحليات الصِّناعيَّة التي قد تحوّله إلى عسلٍ مسرطنٍ، ما يوقع المستهلك في فخِّ الأسعار المتفاوتة.
ويضيفُ البيطار لا دورَ للوزارات والنّقابة في الحفاظ على هذا القطاع، فوزارةُ الزّراعةِ ساعدت مربِّي النَّحل في تأمين دواء مرض "برواز النّحل" ولفترةٍ وجيزةٍ، ما يحمّل الدولة اليوم مسؤولية مراقبة الأدوية المستعملة، لأنّ الدّول الأوروبيّة قلقةٌ اليوم من منتج العسل اللُّبناني، وبدا ذلك من خلال رفضِ الاتّحاد الأوروبيِّ استيراد لهذا المنتج، نظرًا للخوف من التَّرسبات النّاجمة عن عدم الاهتمام بالبيئة.
في هذا الإطار، يقول البيطار: "سنسعى لتكثيف حضورنا المؤتمرات بغيةَ تعزيز حضور المنتج الجيّد والصّحي للعسل في السُّوق".
وفي وصفٍ لواقع إنتاج العسل في لبنان، يؤكِّد ساري آشيتي (صاحب محل لبيع العسل في بلدة خربة روحا البقاعيّة)، أنّ إنتاجَ العسلِ يرتبط بالمواسم، أمّا التّحديات الأساسيّة تكمن في أمراض النّحل "كقمل النّحل والدبور"، التي نسعى لتلافيها من خلال محاربتها بالمبيدات، وهذا ما يرتّب علينا مسؤوليّةً أخلاقيّةً ومهنيَّةً لعلاج النّحل بدقة، ليشتريَ المستهلك مادةً جيِّدةً وليس " قطرًا محضًا"، ونحن نعطي عيناتٍ للتجربة، ما يمكّنُ الزبائن من اختبار المنتجِ من العسل.
"وسط هذه الظروف واجتياح الغلاء وانهيار سعر الصِّرف، ثمّة فاتورةٌ باهظةٌ تقع على عاتق النّحال"، يقول آيشتي، "فالنّحالون يبيعون النحل بأرخص الأثمان، لتأمين التّكاليف من الأدوية والشّمع والبراويز والأوعية الزّجاجية والأدوية الكيماويّة والصَّناديق والطّبقات وسواها... ونحن نحاول أن نُسوِّقَ عسل هذه المنطق، فمراعي النَّحل تتميّز بالشّوكيات (الصّيفي)، وما يزيد التّكاليفَ هو النّقلُ والتجهيزاتُ الّتي قد تضاف على مرعى السّنديان الذي يعدُّ الأهمَّ نسبةً لجغرافيّة المنطقة.
في الوقت الذي يحاول العاملون في هذا القطاع تطوير إمكاناتهم، نلحظُ غيابًا تامًا للجهات المعنية عنه برمَّتها، في الوقت الذي تشكل الالتفاتة إليه تحرّكًا للقطاع الزِّراعي مما ينعكس على الاقتصاد الوطني، ويساهمُ في تعزيز حضور المستثمرين في تربية النّحل وإنتاج العسل .فهل يسمع ذوو الألباب من المعنيِّين، أم أن هذا الإهمال العمد سيطيحُ بهذا القطاع أسوةً بغيره؟!.

