جاء في "اللواء":
يعود مجلس إدارة جمعية المصارف للاجتماع اليوم لبحث أمرين: الأول معلن وهو النظر في شأن الخطوات التالية بعد إقفال ايام 19 (اليوم) و20 (غدا) و21 (بعد غد)، أي الاقفال حتى الاربعاء، على ان تعود المصارف إلى العمل بدءا من يوم الخميس، والثاني مستتر، او مخبأ بانتظار المفاجآت ويتعلق بكيفية مواجهة مطالب «صرخة مودع» و«جمعية المودعين» لاسترجاع الودائع النقدية بالدولار الاميركي من المصارف.
وبين الإقفال والعودة، طرأت مجموعة من الخطوات والإجراءات، أبرزها دخول القضاء (النيابة العامة التمييزية) على الخط، عبر ما أسماه وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال بسام مولوي، استنابة ملاحقة، بعد اجتماع مجلس الامن المركزي، الذي رأى نفسه معنياً، بعد يوم طويل من دخول المودعين إلى عدد من فروع المصارف التجارية العاملة في بيروت والمناطق.
وهذا الدخول، وإن بدا أنه يتصل بالنظام العام، بعد كلام مولوي «المتهور» عن جهات تحرك المودعين، من ضمن النظريات البائدة والتافهة التي تتحدث دوماً عن المؤامرة، ويتذاكى العاجزون الذين يلجأون اليها بالتلاعب بالعقول عن طريق «الإيهام بالسرية» والتكتم والدعوة إلى انتظار التحقيقات. وجاءت إجراءات مجلس الامن تتماهى إلى حد التطابق مع بيان جمعية المصارف الذي صدر في اليوم نفسه، محدداً مسار المعالجات، بدءا من الاقفال إلى مجموعة اجراءات تضييقية، واستنسابية، تنتهي إلى الأمن الذاتي او انشاء «ميليشيا المصارف» لمطاردة الزبائن أو المودعين أو الموظفين الذين يقصدون الفروع إما لقبض راتب أو إيصال ورقة، أو حتى إيداع أموال، أو قبض الحوالة الأميركية من الخارج.
أخطر ما في بيان جمعية المصارف انكار الحقائق، او إنشاء حقائق غير قائمة أصلاً، فعلى سبيل المثال: تحدثت الجمعية عن «اعتداءات على المصارف» وهي متكررة، فهل المطالبة باسترجاع الحق (أي الوديعة) هو اعتداء... كما تحدث البيان عن «تعديات جسدية» (لم يظهر احد من العاملين او الحراس او الموظفين في المصارف وهو مدمى او مغمى عليه او تعرض له أحد).
ولعل أخطر ما في ديماغوجية المصارف إظهار الحرص على «مصالح المودعين» كيف يكون الحرص هذا، هل بالتنكر المستمر منذ 3 سنوات بعد تهريب المليارات والملايين بالمئات من المصارف إلى الخارج، أم بالتمنع عن التعامل الإيجابي مع المودعين.
والسؤال البدهي: هل المودع الذي وثق بنظام بلاده المصرفي هو المسؤول عن «الانهيار النظامي» للقطاع المصرفي أو النظام المالي في البلاد.
أما الحديث عن «خطط شاملة» تأخذ بعين الاعتبار كافة المسببات، وتقوم بمعالجتها بشكل متكامل فهو كلام سخيف، بلا معنى، وبلا خارطة طريق، لشيء واحد مطلوب هو: إعادة الحقوق إلى أصحابها... عبر مبادرات من الجهات المعنية: المصارف اولاً، التي تعرف «البئر وغطاها» كما يقال في ما يختص بالملاءة الخاصة بها، وبالقوانين التي يخضع لها النظام المصرفي، سواء في ما خص القوانين التجارية أو قوانين النقد والتسليف وتعديلاتها.
وثانياً من مصرف لبنان الذي عليه أن يبادر بعد وقف الدعم إلى الالتفات إلى كيفية اعادة الودائع، ضمن خطط مرحلية أو بعيدة إلى المواطنين، الذين اخطأوا عندما «خبوا قرشهم الأبيض» ليومهم الأسود في المصارف التي قيل عنها في يوم ما انها «معجزة لبنان» فإذا بها المدخل إلى سلسلة انهيارات، بدأت من التنكر للودائع، ثم التحويلات الهمايونية إلى الخارج لكبار النافذين من المصرفيين ورجال الطبقة الحاكمة والزمر الدائرة في فلكها.
ولئن كان على الحكومة، العاجزة عن التشكل، والعاجزة عن إدارة ما هو قائم، وتحويله إلى نقطة الصفر، كما حصل في الكهرباء والماء وغيرها من الخدمات الضرورية، ان تتدخل في وضع الخطط للمعالجة، فضلاً عن المجلس النيابي، الجديد بنوابه «القدامى» و«الجدد»، فإن المشكلة عند المصارف التي تسلمت «الودائع» سواء لجهة الفائدة أو الإعادة عندما تنتهي مهل الايداع. المسألة أيها السادة في جمعية المصارف، ليست اعتداء مودع، يطالب بحق له في ذمتكم، بل المسألة او الطامة الكبرى في أنكم تحولتم إلى «رجال عصابات» لا إلى وسطاء بين المؤسسات والافراد، وتجاهلتم عن قصد او عن غير قصد ان المشكلة الكبرى هي في الحصول على النقد عندما حل الدولار مكان «الذهب والفضة» في التجارة وشراء السلع وبيعها، بات توفير الحوائج يتوقف على توفر هذا الدولار في جيوب المحتاجين، وليس في خزنات البنوك، فالمواطن كمحتاج وكمستهلك لا يهمه كثيراً ما في حساباته النقدية لحين صدور قانون توزيع الخسائر، بل ما يهمه ما في جيبه من دولارات لشراء الخبز والدواء والماء ودفع اثمان فواتير المستشفيات والأدوية وأقساط المدارس، وشراء المحروقات أو دفع فواتير مولدات الكهرباء.
ومن المؤكد أن «الدولار النقدي» اي الجاهز للدفع أو الشراء، هو المعوَّل عليه في نظام اقتصادي متآكل، واجتماعي متصادم ومتآزر في الوقت نفسه، ومالي يتقدم بثبات باتجاه الإفلاس او الركود أو التضخم مع زيادة البطالة بمعدلات عالية وارتفاع الأسعار وتآكل القيمة الشرائية بمقاييس ومعدلات خيالية.
لا مراء، في أن المصارف بدورها تمر بأزمة او أزمات، وهي، وعلى رأسها مصرف لبنان، غيرت النظام المالي والمصرفي ووظائفه في البلد، فالشيكات المصرفية توقفت، والدفع بالبطاقات الالكترونية توقف في مجالات عدة، فضلاً عن السقوف غير المفهومة للسحوبات، سواء بالعملة الخضراء أو الليرة اللبنانية المتهالكة.
على أن أخطر ما فعلته المصارف ليس فقط ايقاف حسابات التوطين او نظام الاقتراض أو الحسابات العادية بالليرة اللبنانية، بل ايضاً فرض قيود السحب، على الاموال الممولة او المودعة بالعملة الوطنية، باختراع آليات غير مسبوقة. ففي ظل نظام القبض بالشيكات كان الشيك يدفع كاملاً مع العمولة المطلوبة للمصرف لتوفير بعض من مستلزمات تمويله.
وقعت الدولة اللبنانية، ومعها النظام المصرفي في شر ما حذّر منه آدم سميث أبو علم الاقتصاد من مبدأ اقتصادي بالغ الاهمية والارشاد إلى المستقبل: «الرجل الذي يقترض لكي ينفق سرعان ما يُفلس، ومن يُقرضه يجد نفسه، نادماً على خطئه، والاقتراض او الاقراض لهذه الغاية عمل في جميع الأحوال مخالف لمصلحة الطرفين».
في يوم من الأيام قبل 20 سنة او يزيد، شاعت خبريات أن اموال المودعين طارت من «بنك لبنان والمهجر» فسارع البنك إلى فتح جميع فروعه امام هؤلاء المودعين للمجيء وسحب اموالهم، وعندما تيقن الناس أن ما سمعوه كان اشاعة، لم يقدم أحد من هؤلاء على سحب قرش واحد.
ليس المطلوب الآن في ظل أوضاع انهيار وإفلاسات شاملة وضغوطات دولية، أن تبادر المصارف إلى فتح ابوابها امام المودعين، ولكن لا بد من خطوات لاعادة الثقة المفقودة قبل فوات الأوان، والذهاب إلى عواقب وخيمة، تتخطى المصارف والمودعين، إلى نسف ما تبقَّى من قيم حياة يقوم عليها الانتظام العام في هذا البلد.

