المحامي ممتاز سليمان - خاص الأفضل نيوز
بعد صيف لاهب شهد استقرارا مصطنعا نتيجة توفر حالة من الأمن النسبي ، وتدفقات أموال المغتربين الذين قصدوا لبنان بمئات الآلاف ، يعود الخريف ليميط اللثام مجددا عن حالة الإنهيار الإقتصادي التي ما تزال البلاد تخوض لجتها ، مضافا إليها نذر شتاء قاس مدجج بالعتمة الشاملة والبرد القارس نتيحة تحليق أسعار مادة المازوت بما يشكل حائلا بينها وبين قدرة الكثير من اللبنانيين على شرائه ،
يضاف إلى كل هذه الأزمات أزمة دستورية بدأت تطل برأسها عشية أزوف انتهاء ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون ، حيث تشي كافة المؤشرات السياسة بالسقوط في فراغ دستوري طويل الأمد نتيجة فشل الطبقة السياسية في تطبيق الدستور للوصول إلى إنتخاب رئيس جمهورية جديد بسلاسة وديمقراطية بعيدا من الفراغ الذي سيضاف إلى فراغات أخرى ما فتئت تتوسع وتتمدد ،
ليس هذا فحسب بل أن ثمة أصواتا أخذت تصدح بنظريات دستورية جديدة مفادها بأنه لا يمكن لرئيس الجمهورية تسليم صلاحيات الرئاسة إلى حكومة مستقية قبل إنتهاء مدة ولايته ، ما يجعلها فاقدة للشرعية اللازمة لإناطة صلاحيات الرئيس بها ، ما يجبر ويحتم على الرئيس الإستمرار بمسؤلياته بعد انتهاء ولايته !!
من هذا المنطلق لا بد من قراءة متأنية في النصوص الدستورية ذات الصلة والتي لا تحتمل التأويل أوالتحليل نتيجة وضوحها ومباشرتها.
فالمادة 62 من الدستور اللبناني نصت على أنه " في حال خلو سدة الرئاسة لأي علة كانت ، تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء " ،
إن الغاية من هذا النص هو ضمان مبدأ عام وهام وأساسي يتمثل في تأمين إستمرارية السلطة والمرفق العام ، الذي هو القاعدة والأساس ، في حسن أن الفراغ هو الإستثناء والشواذ الذي ينبغي عدم الوقوع فيه ،
لكن للأسف وخلال العقدين الأخيرين ثبت أن المناكفات والمشاحنات والإصطفافات السياسية أوقعت البلاد في سلسة من الفراغات على مختلف المستويات بحيث أصبح الفراغ وكأنه القاعدة فيما الإنتظام هو الإستثناء ،
صحيح أن الشارع الدستوري لم يحدد الصلاحيات التي تنتقل إلى مجلس الوزراء بشغور سدة الرئاسة ، ولكن بالمنطق ، يمكن الفهم بأن الصلاحيات اللصيقة بشخص الرئيس كتوجيه الرسائل لمجلس النواب واعتماد السفراء ومنح الأسمة لا يمكن أن تنتقل إلى مجلس الوزراء ، في حين تناط به تلك اللازمة لتسيير شوون الدولة،
وفي هذه الحالة فإن اتخاذ القرار وفق المنهجية المعتمدة أضحت من خلال الإجماع في المجلس بحيث لا أغلبية مطلقة أو موصوفة في اتخاذ القرارات والتصويت عليها ، فأصبح أي وزير يمتلك حق الفيتو على أي قرار وتعطيله ، مكتسبا بذلك صلاحيات وقوة لم تكن حتى للرئيس ، وفي هذا مخالفة دستورية كبرى.
أما بالعودة إلى ما سيحصل في الحادي والثلاثين من تشرين الأول من العام الحالي ، فإنه من الواجب والمسلم به أن رئيس الجمهورية سيترك قصر بعبدا بانتهاء ولايته ، ولا يمكنه فعل عكس ذلك لأن شرعيته الدستورية والقانونية انتهت بانتهاء تلك الولاية عملا بالمادة 24 من الدستور ، دون أي أي تأويل أو تحليل ، علما أن هذا الأمر حصل مع مختلف الرؤساء في الجمهورية حتى أولئك الذين لم يتم انتخاب خلف جديد لهم قبل انتهاء عهدهم كما حصل مع الرئيسين لحود وسليمان.
ولا يقدح في ذلك القول بأن الحالة الدستورية التي نحن بصدد الإقبال عليها تشكل سابقة دستورية لم يعهدها لبنان قبلا لناحية تصادف خلو سدة الرئاسة مع حكومة مستقيلة أصلا نتيجة الإنتحابات النيابية الأخيرة ، فعملا بمبدأ الإستمرارية وتحاشيا للوقوع في الفراغ الدستوري وفراغ الحكم ، وحرصا على سلامة الدولة وسلامة المؤسسات والإدرات العامة سينبغي على الحكومة أن تمارس صلاحيات الرئيس حتى ولو كانت حكومة تصريف أعمال ، وهنا ينبغي الإشارة إلى أنه لو أراد المشرع الدستوري تقييد الحكومة بممارسة هذا الحق لكان نص بشكل صريح على وجوب توافر مواصفات الحكومة المكتملة الصلاحيات لتتمكن من ممارسة صلاحيات الرئيس دستوريا بمقتضى المادة 62 من الدستور ، إنما بعد مراجعة تلك المادة والمواد ذات الصلة ، لم يتبين وجود أي تقييد من هذا القبيل ، وهذا ما أورده الفقيهان الدستوريان محمد المجذوب وحسن الرفاعي في كتاباتهما.
في الخلاصة ينبغي على رئيس مجلس النواب وعملا بالمادة 73 من الدستور أن يدعو مجلس النواب للإنعقاد بصفته هيئة إنتخابية فقط لإنتخاب رئيس للجمهورية دون أي عمل آخر ، وهنا يستوجب على المجلس الوليد حديثا أن يعكف ضمن أطر الدستور على هذا الإنتخاب تطبيقا للعبة الديمقراطية بعيدا من الإصطفافات والمصالح السياسية التي ما فتئت الإعتياد على إبرام الصفقات والتسويات خارج إطار المؤسسات التي حولتها هيكلا ووأداة لإخراجها وتنفيذها.

