طارق ترشيشي-خاصّ الأفضل نيوز
يؤكد ديبلوماسيون تتبعوا وقائع الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية التي عُقدت في جنيف أنها لم تكن حدثاً بروتوكولياً عابراً، ولا مجرد اجتماع تقني يناقش نسب تخصيب اليورانيوم وعدد أجهزة الطرد المركزي. فما حصل في الكواليس الديبلوماسية كان في جوهره اختباراً سياسياً عميقاً لإرادة الطرفين: هل يسعيان فعلاً إلى إعادة تنظيم علاقتهما ضمن قواعد اشتباك جديدة، أم أن ما نشهده ليس سوى هدنة تكتيكية تؤجل الانفجار ولا تمنعه؟
لم تعرف العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران الاستقرار منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. غير أن اللحظة المفصلية في هذه العلاقات جاءت مع توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 (أيام الرئيس باراك أوباما) الذي شكّل آنذاك إطارا لتسوية تاريخية قائمة على مبدأ واضح: تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات. لكن الانسحاب الأميركي من الاتفاق عام 2018 ( أيام الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب) أعاد منسوب الشك إلى ذروته، وفتح الباب أمام مرحلة من الضغط الأقصى قابلتها طهران بسياسة "الصبر الاستراتيجي" ثم بتوسيع تدريجي لقدراتها النووية.
اليوم، وبعد سنوات من التصعيد والعقوبات والتوترات الإقليمية، جاءت الجولة الثانية من المفاوضات بين الجانبين في جنيف لتطرح سؤالاً محورياً: هل تغيّرت الحسابات؟
لم تسفر هذه الجولة عن اتفاق شامل أو إعلان اختراق كبير، لكن أهميتها تكمن في ما هو أبعد من البيان الختامي. فقد نجحت في تثبيت مبدأ استمرار التفاوض وعدم انهياره، وهو في حد ذاته مكسب سياسي للطرفين في ظل أجواء إقليمية شديدة الحساسية. وكان اللافت حديث الوسيط العماني عن حصول "تقدم كبير" في المفاوضات.
المعطيات تشير إلى أن النقاش انتقل من فكرة "العودة الكاملة والفورية" إلى اتفاق 2015، إلى مقاربة أكثر واقعية تقوم على "خطوات متبادلة ومتدرجة". بمعنى آخر، لم يعد الهدف استعادة الاتفاق بصيغته الأصلية دفعة واحدة، بل بناء مسار مرحلي جديد، يربط كل خطوة نووية إيرانية بخطوة مقابلة في تخفيف العقوبات.
هذا التحول يعكس إدراكاً متبادلاً بأن الظروف السياسية والاستراتيجية تغيّرت. إيران لم تعد في موقع عام 2015، والولايات المتحدة الأميركية كذلك لم تعد تملك هامش المناورة ذاته.
طهران تدخل هذه المرحلة بظروف مختلفة جذرياً عن تلك التي رافقت توقيع الاتفاق الأول. فعلى المستوى الاقتصادي، وعلى الرغم من قسوة العقوبات، تمكنت من التكيّف النسبي وتوسيع قنواتها التجارية شرقاً.
وعلى المستوى الإقليمي، عززت شبكة علاقاتها، وكان أبرز مؤشر إلى ذلك الاتفاق الذي وُقّع في بكين عام 2023 مع المملكة العربية السعودية برعاية الصين، والذي أعاد العلاقات الديبلوماسية بين القوتين الإقليميتين. هذا الاتفاق لم يكن مجرد مصالحة ثنائية، بل رسالة مفادها أن طهران تسعى إلى إنهاء التوتر مع دول الجوار، وأنها ليست أسيرة منطق المواجهة الدائمة. كما منحها هامشاً سياسياً أوسع في مواجهة الضغوط الغربية، وأضعف سردية عزلها إقليمياً.
أما استراتيجياً، فقد رفعت إيران مستوى قدراتها النووية إلى عتبة متقدمة، ما يمنحها ورقة ضغط فعلية في التفاوض. فهي اليوم لا تفاوض طلباً لإنقاذ عاجل، بل من موقع "الصمود تحت الضغط"، وتسعى إلى ضمانين أساسيين: رفع ملموس للعقوبات يمكن قياس أثره اقتصادياً، وضمان يحول دون تكرار سيناريو الانسحاب الأميركي من الاتفاق مستقبلا.
وفي المقابل، تجد الولايات المتحدة الأميركية نفسها أمام معادلة دقيقة. فهي لا تستطيع السماح لإيران بالوصول إلى امتلاك السلاح النووي، وفي الوقت نفسه لا ترغب في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، في ظل أولويات عالمية أخرى. كما أن واشنطن مطالبة بطمأنة حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم إسرائيل، التي تنظر بعين الريبة إلى أي اتفاق لا يتضمن فرض قيود صارمة وطويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني.
وقد أظهرت الجولة الثانية من المفاوضات في جنيف إدراكاً أمريكياً متزايداً بأن سياسة "الضغط الأقصى" التي تماسها واشنطن لم تحقق هدفها النهائي، بل دفعت إيران إلى تطوير قدراتها النووية بوتيرة أسرع. لكن في المقابل، لا تملك الإدارة الأميركية هامش تقديم تنازلات كبيرة بلا مقابل واضح، خشية تداعيات داخلية وخارجية.
ويرى ديبلوماسيون أن أكثر السيناريوهات واقعية في ضوء نتائج الجولة الثانية من المفاوضات هو التوصل إلى ما يسمونه "اتفاق مرحلي موسع". يقوم هذا السيناريو على تجميد التخصيب عند مستوى محدد، مقابل تخفيف جزئي ومدروس للعقوبات، مع آلية تحقق فنية صارمة وجدول زمني لمواصلة التفاوض. وهذا النموذج لا يحل الأزمة جذرياً، لكنه يحقق هدفاً أساسياً للطرفين:
شراء الوقت وخفض احتمالات المواجهة. وهذا يكون أشبه بإعادة تنظيم النزاع بدل إنهائه.
ثلاثة مسارات
وفي هذا السياق يتحدث الديبلوماسيون أنفسهم عن اتجاه الوضع بين واشنطن وطهران إلى ثلاثة مسارات محتملة:
ـ الأول، مسار الاستقرار الحذر، بحيث إنه إذا استمرت الجولات المقبلة من المفاوضات في البناء على ما تحقق في جنيف، فقد نشهد تخفيفاً تدريجياً للعقوبات، وانخفاضاً في حدة التصعيد الإعلامي، واحتواء للتوترات غير المباشرة في الإقليم. لن يكون ذلك تطبيعاً شاملاً، بل "إدارة تنافس منضبط".
ـ الثاني، مسار الانتكاسة، بحيث إن أي تصعيد ميداني كبير ـ في الخليج أو لبنان قد يقلب الطاولة؛ فالملف النووي بات مرتبطاً بالسياق الإقليمي الأوسع، وأي حادث أمني كبير قد يعيد الجميع إلى مربع التصعيد.
ـ الثالث، مسار اللاحسم الطويل، وهو السيناريو الأكثر رجحاناً على المدى القريب: مفاوضات مستمرة بلا اتفاق نهائي، ضغوط اقتصادية مخففة، وردع متبادل مضبوط السقف. علاقة لا هي حرب مفتوحة ولا سلام مستقر.
وفي المحصلة فإن الجولة الثانية من المفاوضات في جنيف لم تُنهِ الخلاف العميق بين واشنطن وطهران، لكنها أعادت صوغه ولم يعد السؤال المطروح : هل تندلع الحرب غدا؟ بل: كيف يمكن للطرفين إدارة تنافس طويل الأمد من دون أن ينفجر؟
يقول ديبلوماسيون، إيران تفاوض اليوم من موقع توازن نسبي، لا من موقع استضعاف، والولايات المتحدة الأميركية في المقابل تدرك أن عزل طهران كلياً لم يعد خياراً عملياً. ما يجري ليس مصالحة تاريخية، بل إعادة تموضع كبرى، عنوانها إدارة النزاع عبر التفاوض بدل تركه ينفلت إلى مواجهة مفتوحة.
وفي النهاية تبقى مفاوضات جنيف، في هذه اللحظة، ليست نهاية الأزمة، بل مختبر لمعادلة جديدة: نزاع مضبوط على إيقاع الدبلوماسية… لا على إيقاع النار.

