طارق الحجيري-خاصّ الأفضل نيوز
أعادت الحرب الدائرة في الإقليم، بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مسألة الهوية اللبنانية إلى الواجهة مجددًا، وكشفت حجم التباعد بين اللبنانيين وعمق الانقسام في نظرتهم إلى الدولة ودورها.
فمنذ قيام دولة لبنان المستقل، لم يسعَ من توالوا على حكمه ـ باستثناء العهد الشهابي ـ إلى بناء هوية وطنية جامعة أو ترسيخ ثقافة مواطنة واحدة. بل صُبِغَت مراحل الحكم بصبغات طائفية متعاقبة، من "المارونية السياسية"، إلى "السنية السياسية" ثم “الشيعية السياسية"،
وهكذا بقينا نتعايش كشعوب متجاورة قسرًا، من دون أن نتحوّل إلى شعبٍ واحد.
منطق الغلبة
المشكلة ليست في التعدد، فالتنوع توأم بلد الأرز، وهو ثروة ومصدر غنى، لكن الإشكالية تكمن في إدارة هذا التنوع، فقد جرى التعامل معه بمنطق المحاصصة والغلبة، لا بمنطق دولة العدالة والمؤسسات.
ومع الوقت تحوّلت الطائفة إلى المرجعية السياسية الأولى على حساب الدولة وهيبتها، واندثر مفهوم المواطنة، فيما غدت الدولة إطارًا هشًا لتقاسم النفوذ وضمان حصص الفساد، بدل أن تكون مرجعية جامعة في الحقوق والواجبات.
خطاب الانقسام
هذا الواقع لم ينتج نظامًا سياسيًا مأزومًا فحسب، بل أفرز أيضًا خطابًا عامًا يعمّق الانقسام. فاللغة السائدة في الحياة السياسية لا تُخاطب اللبنانيين كمواطنين متساوين، بل كأبناء طوائف متجاورة، تُثير مخاوفهم الكامنة، وتُستثمر هواجسهم المستقبلية، وتُعيد إنتاج سرديات التهديد والطمأنة المتبادلة نفسها، ومع كل أزمة يعلو خطاب التحشيد على حساب الخطاب الوطني، وتُشدّ العصبيات بدل البحث عن أرضية مشتركة.
الهموم واحدة.. فأين لغتها؟
المفارقة أن اللبنانيين في حياتهم اليومية يتشاركون الهموم ذاتها، من الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات العامة إلى البطالة والهجرة والفقر وفقدان الأمان الاجتماعي. لكن هذه المصالح المشتركة لم تتحول إلى خطاب سياسي جامع، لأن البنية التقليدية للنظام قائمة على تفكيك المجتمع إلى جماعات، لا على توحيده حول مصالح وطنية عامة.
من هنا تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى صياغة لغة وطنية جديدة، لا تكتفي بالدعوة إلى العيش المشترك كشعار، بل تؤسس فعليًا لثقافة سياسية مختلفة. لغة تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، على قاعدة الحقوق بدل الانتماء، والمساءلة بدل الولاء، والمصلحة العامة بدل توازن الحصص.
الظروف مؤاتية
فرضت النار المشتعلة في الإقليم واقعًا جديدًا على لبنان، يستوجب أعلى درجات الحكمة والهدوء. لذلك اكتسب اجتماع المجلس الأعلى للدفاع ومقرراته أهمية خاصة، بوصفه محاولة لإعادة تثبيت حضور الدولة وفرض هيبتها، من خلال التشديد على تطبيق القوانين، ومنع التعديات، ومواجهة مظاهر الفوضى والخروج على السلطة.
غير أن قيمة هذه المقررات لا تكمن في صدورها بحد ذاته، بل في قدرتها على التحول إلى ممارسة فعلية تُطبَّق على الجميع بلا استثناء أو انتقائية؛ فالدولة لا تُستعاد بالبيانات، بل بقرار سياسي واضح يضع حدًا لازدواجية المعايير في حصرية السلاح وقراري السلم والحرب، ويؤكد أن سلطة القانون تعلو على كل الاعتبارات،
عندها فقط يمكن الشروع في صياغة خطاب وطني جامع يتسم بالصدق والواقعية، لأنّ هيبة الدولة ليست شعارًا سياسيًا، بل الشرط الأول لولادة مواطنة متساوية وثقة عامة، تشكّلان الأساس لأي مشروع وطني جامع.

