طارق الحجيري - خاصّ الأفضل نيوز
في كل مرة تعصف فيها الأزمات بلبنان، نكتشف عمق انقسامنا الداخلي قبل اكتشاف وهن حدودنا. فاللبنانيون الذين أنهكتهم الانقسامات السياسية والطائفية، يجدون أنفسهم اليوم أمام اختبار جديد مع الحرب المستعرة، كيف يستقبلون اللبنانيين النازحين في بيوتهم؟ هل تتحوّل القضية إلى مادة إضافية للتجاذب والانقسام، أم يجعلونها فرصة للتقارب كمواطنين؟
القطيعة القائمة
الانقسام الذي يعيشه اللبنانيون ليس سرًا، ولا خافيًا على أحد، بل وصل حدّ التفاخر، ولم يعد مجرد اختلاف في الرأي، بل تحوّل إلى قطيعة فعلية بين أبناء البلد الواحد. كل ملف يُقرأ بعين الشك، وكل موقف يُفسَّر كأنه اصطفاف في معركة وجودية. في ظل هذا المناخ يصبح النزوح مادة سهلة للاستثمار الشعبوي، وتأجيج الغرائز، بدل أن يكون مناسبة لإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية التي قام عليها لبنان.
خطوة نحو المواطنة
يُقدَّم لبنان دائمًا كمساحة للتلاقي والتنّوع، لذلك لا يستطيع أحد تغيير هويته عبر الانغلاق والتحريض والتقوقع، فاستقبال النازحين إذا ما أُحسِن تنظيمه ضمن القيم الإنسانية والأخلاقية، يمكن أن يؤسس لعقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين، ويمكن أن يُشكّل خطوة أولى في إعادة تعريف وصياغة مفهوم المواطنة الحقّة، فالمواطنة ليست فقط علاقة الفرد بدولته، بل أيضًا بقدرته على التعامل بمسؤولية وتعاون وتفهّم مع الآخر أيًّا كان.
نحو خطاب هادئ
المطلوب اليوم ليس تجاهل الهواجس والمخاوف بين اللبنانيين، فهي هواجس قائمة في بلد يرزح تحت أزمات معيشية خانقة، لكن تحويل هذه المخاوف إلى خطاب كراهية متبادل لن يحل المشكلة، بل يعمّقها، فالحل يبدأ بإدارة عقلانية للاختلاف، وبخطاب سياسي يخفف الاحتقان بدل أن يؤججه.
يمكن تحويل استقبال النازحين إلى فرصة وعي وطني جامع، إذا أحسنا التعامل معه. إنه محطة كي ندرك فيها أن قوتنا ليست في تغليب فئة على أخرى، بل في قدرتنا على التماسك رغم الاختلاف. وهوية لبنان ليست هوية طائفة أو حزب، بل هوية مجتمع تعددي اختار أن يعيش معًا.
الطريق ليس سهلًا ودونه تحديات كثيرة، لكن البديل عن بناء عقد وطني جامع هو استمرار التآكل الداخلي ، وبين الانقسام والتضامن، يبقى الخيار بأيدينا. فإما أن نجعل من هذه المحنة مناسبة لإعادة اكتشاف قيم الوطن الواحد، أو نتركها تتحول إلى فصل جديد في كتاب انقساماتنا المفتوح.
الأوطان لا تُبنى بالخوف بل بالثقة، ولا تحميها الجدران والسلاح بقدر ما تحميها شراكة المواطنين في صناعة حاضرهم ومستقبلهم ورغبتهم في البقاء.

