ميرنا صابر – خاص الأفضل نيوز
منذ اندلاع الحرب الأميركية – الإيرانية، دخل العالم، وتحديدًا منطقة الشرق الأوسط، مرحلة غير مسبوقة من إعادة رسم التوازنات العسكرية والاقتصادية، متجهين إلى رسم شرق أوسط جديد. ومع إعلان إغلاق مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره ما بين 17 و20 مليون برميل نفط يوميًا، أي نحو خُمس الإمدادات العالمية، انتقلت الأزمة من مستوى التصعيد السياسي إلى مستوى الصدمة المباشرة في شرايين الطاقة العالمية.
الأسواق كانت قد التقطت الإشارات قبل اندلاع المواجهة بساعات. يومي الخميس والجمعة، ارتفع النفط والمعادن الثمينة بشكل لافت، وأقفل الذهب والفضة على مكاسب واضحة، في ما بدا تسعيرًا استباقيًا لاحتمال تطورات كبرى خلال عطلة نهاية الأسبوع. ومع افتتاح يوم الاثنين، ظهرت فجوة صعودية في الأسعار، قبل أن تشهد الأسواق تراجعات سريعة بفعل جني الأرباح وإعادة التموضع، فيما بقيت التقلبات مرتفعة حتى اليوم الثلاثاء، مع دخول عامل الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز على خط التسعير.
أشار خبير الأسواق المالية دانيال البنى في مقابلة خاصة لـ"الأفضل نيوز" إلى أنّ: "إغلاق مضيق هرمز يضع ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية تحت الضغط المباشر، وهذا يعني أن أي تعطيل يستمر أيامًا فقط كفيل بدفع الأسعار إلى مستويات قد تتجاوز 100 دولار للبرميل."
ارتفاع النفط لا يبقى محصورًا في أسواق الطاقة. تاريخيًا، كل ارتفاع بـ10 دولارات في سعر البرميل يضيف ما بين 0.2 و0.4 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى، ما يضع البنوك المركزية أمام معادلة معقدة بين كبح التضخم وحماية النمو. وأضاف البنى: "أسعار الغاز في أوروبا ارتفعت بأكثر من 50% في موجة الذعر الأخيرة، وهذا يعيد أزمة الطاقة إلى الواجهة في وقت تعاني فيه القارة أصلًا من نمو ضعيف وضغوط صناعية."
أما في آسيا، فالمعادلة أكثر حساسية. الصين، التي تُعد أكبر مستورد للطاقة في العالم، تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج، وأي تعطيل طويل في خطوط الإمداد سيؤثر مباشرة على سلاسل التوريد العالمية.
وأكد البنى لـ"الأفضل نيوز" أنّ: "أي تعطيل فعلي ومستمر في الإمدادات عبر هرمز لن يؤثر فقط على الشرق الأوسط، بل سيطال آسيا وأوروبا معًا، لأن هذا المعبر هو نقطة عبور استراتيجية للطاقة العالمية."
الأسواق الأميركية بدورها سجّلت تراجعات حادة منذ السبت، وسط ارتفاع مؤشر التقلبات (VIX) وتحوّل السيولة نحو أدوات أكثر أمانًا. في المقابل، شهدت بعض البورصات الخليجية خسائر وصلت إلى 5 و6% في جلسة واحدة، قبل أن تبدأ بتقليصها مع ارتفاع أسعار النفط. كما حذّر البنى: "إذا توسّع نطاق الاستهداف ليشمل منشآت نفطية إضافية في المنطقة، فإننا نكون أمام موجة تصعيد قد تغيّر خريطة تسعير الطاقة بالكامل، وليس مجرد ارتفاع ظرفي في الأسعار."
في الخلفية، تدرك واشنطن أن أي ارتفاع طويل الأمد في أسعار النفط سيعني ضغطًا تضخميًا داخليًا، في وقت لا يزال فيه الاحتياطي الفيدرالي يحاول تثبيت الاستقرار النقدي. كما أن اللجوء إلى الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي يبقى أداة مؤقتة لا تعالج صدمة عرض طويلة. أما الذهب، فرغم بلوغه مستويات قياسية في الأشهر الماضية، فإن حركته الأخيرة تعكس ترددًا في بناء مراكز طويلة الأمد، في انتظار وضوح مسار المواجهة. تاريخيًا، غالبًا ما تتحول المعادن الثمينة إلى مؤشر نفسي على مدة الحرب لا على حدّتها فقط.
الأسواق لا تتحرك فقط وفق تطورات الميدان، بل وفق توقعات مدة الأزمة. وبين صدمة العرض واحتمالات التهدئة، تبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان العالم أمام أزمة طاقة قصيرة… أم تحوّل استراتيجي طويل الأمد في ميزان الطاقة العالمي.

