كريستال النوّار - خاصّ الأفضل نيوز
في زمن الحرب، لا يحتاجُ الطفل إلى شرحٍ عسكريّ دقيق بل إلى شعورٍ واضح بالأمان. ولكنّ المشكلة أنّ الأهل أنفسهم يعيشون القلق ذاته... أخبارٌ متسارعة، أصوات انفجارات، صورٌ وفيديوهات مُرعبة منتشرة في كلّ مكان. كيف يمكن حماية الطفل نفسيًّا فيما الكبار يحاولون هم أيضاً أن يتماسكوا؟
ليس مطلوباً إخفاء الواقع عن الطفل كما يظنّ البعض، لكن من الضروري ضبط التعرّض له. وتُشير الاختصاصيّة في علم النفس والمعالجة النفسيّة شارلوت الخليل إلى أهمية الحدّ من التعرُّض للأخبار على الشاشات ومناقشة أخبار الحرب على مدار اليوم أمام الطفل، لأنّ ذلك يحوّل المنزل إلى مساحة عنف وتوتّر دائم بدل الأمان. فالطّفل يحتاج إلى تفسيرٍ بسيط وبلغة يفهمها من دون تفاصيل صادمة ومخيفة، وعندما يسأل يجب الإجابة بصدق وبشكلٍ مطمئن".
كذلك، يُعدّ الحفاظ على روتينٍ يومي ثابت للأطفال أمراً جوهريًّا لتعزيز شعورهم بالاستقرار النفسي وتنظيم عاداتهم الصحية، وهذا الأمر صعب خلال الحرب إلا أنّه ليس مستحيلاً ولا بدّ أن يحاول الأهل تحقيقه، وفق الخليل. وتُتابع في حديث لموقع "الأفضل نيوز": "الروتين هو خط الدفاع النفسي الأول خصوصاً في الظروف غير المستقرّة حيث يُصبح الانتظام اليومي مصدراً للأمان. من هنا يُمكن البدء بتحديد أوقات النوم، الحرص على تقديم وجبات منتظمة، توفير مساحة للعب أو القراءة قدر الإمكان، والقيام بنشاط بسيط. حتى لو تبدّل الخارج، يبقى الداخل ثابتاً، هذا ما يجب على الطفل أن يفهمه لأنّ هذا الثبات يخفّف شعور الفوضى داخله".
من المهمّ أيضاً الاعتراف بمشاعر الطفل. فعبارة "لا تخف" لا تزيل قلقه بل تجعله صامتاً. فماذا يُمكن القول بدل ذلك؟ تُجيب الخليل: الأفضل أن نقول "أعرف أنك خائف وهذا طبيعي. أنا أيضاً أشعر بالقلق أحياناً، لكننا معاً ولن يُصيبنا أي خطر". ومن أجل تخفيف شعور الطفل بالعجز، تقول: "يُمكن للأهل السّماح للطفل بالمساعدة في تحضير حقيبة الطوارئ أو تعليمه ما الذي يجب فعله إذا سمع صوتاً مرتفعاً... فالمعرفة المنظّمة تقلّل الخوف والمشاعر الحادّة".
لكن كلّ ذلك يبقى مرتبطاً بحالة الأهل أنفسهم. إذ تُحذّر الخليل من أنّ الطفل يشعر بالتوتر قبل أن يسمع كلمات الأهل. لذلك يحتاج الكبار إلى إدارة قلقهم أولاً، وهذا ممكن من خلال تقنين متابعة الأخبار، اعتماد تقنيات بسيطة لتنظيم التنفس أو التوقف لدقائق بعيداً عن الشاشات. والأهمّ، الفصل بين ما يمكن التحكم به وما لا يمكن السيطرة عليه، وانطلاقاً من أنّه لا يمكن وقف الحرب، لكن في المقابل يمكن تحضير خطّة وتأمين المنزل قدر الإمكان وتوفير دعم عاطفي ثابت.
وفي حال شعور الأهل بالعجز أو عدم القدرة على مواجهة الواقع، تنصح الخليل بالاتّصال بخطّ الحياة 1564، وهو الخطّ الوطني السّاخن للدعم النفسي للوقاية من الانتحار.
بعض التغيّرات السلوكيّة عند الطّفل تبقى طبيعيّة في ظروفٍ استثنائيّة كالتي نعيشها اليوم. من هنا وجوب انتباه الأهل إلى عوارض قد تكون مُقلقة إذا استمرّت لأسابيع عدّة، أهمّها الصعوبة في النوم، التبوّل في الفراش، العزلة، الصمت لوقت طويل بشكلٍ غير معتاد، التعلّق الزائد، نوبات الغضب، التخدر العاطفي، أو حتى العودة إلى سلوكيات سابقة.
في النهاية، لا يمكن إزالة الخطر بالكامل، لكن لا بدّ من تقليل أثره النفسي على الطفل. الأمان العاطفيّ هو ما يبقى في ذاكرته.. أكثر من أيّ تحليلٍ سياسي!

