طارق الحجيري - خاص الأفضل نيوز
تشهد الحياة السياسية اللبنانية، ومنذ سنوات، خطابًا سياسيًا حادًا يذهب كثيرون به إلى أقصى درجات الحدّة والتطرّف في التعبير عن مواقفهم. لكن مهما بلغت قسوة الرأي السياسي أو حدّته، تبقى حقيقة راسخة أثبتتها التجربة اللبنانية مرارًا، أنّ قيامة لبنان تستحيل على حساب هزيمة إحدى طوائفه.
تجارب الماضي
هذه ليست مقولة أخلاقية أو شعارًا إنشائيًا، بل خلاصة تاريخ طويل من الصراعات والتجارب الفاشلة في عمر لبنان المستقل.
ففي كل مرة حاول فيها فريق سياسي ما أن يستأثر بالسلطة على قاعدة إقصاء طائفة أخرى أو كسرها، انتهت المحاولة إلى أزمة أعمق وانهيار أشدّ في بنية الدولة.
جرّبت البلاد هذا المسار أكثر من مرة. حين شعر المسيحيون في مراحل معيّنة أنهم الخاسر الأكبر في معادلات السلطة، لم يستقر النظام، بل دخل لبنان في دوامات طويلة من التوتر والاقتتال. وحين شعر السنّة لاحقًا بأنهم مستهدفون في موقعهم السياسي ومهمَّشون في المعادلة الوطنية، لم يتقدّم البلد خطوة واحدة نحو الهدوء والاستقرار، بل ازداد الانقسام وبلغ الاحتقان أعلى مستوياته.
جريمة التكرار
اليوم، وفي ظل الحرب القائمة، يتردّد في الأفق خطاب سياسي جديد يُقدَّم بوصفه "تصحيحًا" للتوازنات، لكنه في جوهره يكرّر التجربة نفسها: قيامة لبنان على أنقاض طائفة أخرى. وهذه المرة في سياق الحديث عن كسر الشيعة أو إخراجهم من معادلة السلطة.
غير أنّ التجربة اللبنانية تقول بوضوح إن هذا الطريق مسدود. فكما فشلت محاولة بناء لبنان على حساب المسيحيين، وفشلت محاولة بنائه على حساب السنّة، فإن محاولة بنائه اليوم على حساب الشيعة كطائفة ستنتهي إلى النتيجة نفسها: مزيد من الانقسام، ومزيد من الشلل في الدولة، ومزيد من التصدّع في المجتمع.
سقوط منطق الغلبة
لبنان لا يمكن إدارته بمنطق الغلبة الكاملة. فتركيبته الطائفية والاجتماعية والسياسية أعقد من اختصارها بمعادلة غالب ومغلوب. وكل من حاول فرض هذه المعادلة اكتشف استحالتها في لبنان، لأنها لم تُنتِج استقرارًا بل أدخلته في دورة جديدة من الصراع السياسي والأمني.
لا يختلف عاقلان على خطيئة الحزب بفتح جبهة الجنوب كجزء من حرب إقليمية تشارك فيها أكبر قوة عسكرية في التاريخ. وقد أثبتت هذه الحرب سريعًا أنّ الأيديولوجيا لا تقهر التكنولوجيا، وأن ميزان القوة في هكذا مواجهات هو الفيصل.
لكن خطيئة الحزب – وربما تتحوّل وبالًا على بقائه – لا يجوز تحميلها للشيعة كطائفة أعطت لبنان الكثير من المبدعين في الفن والسياسة والطب والرياضة وعالم المال والأعمال.
خطيئة الحزب يتحمّلها هو، عبر القانون وقرار الدولة بحصرية السلاح بيد الشرعية، وتحويله حزبًا سياسيًا كباقي الأحزاب.
خيار لبنان
المطلوب اليوم إبعاد لبنان عن وحش الدمار الصهيوني، وإعادة السؤال إلى سياقه السليم: كيف نعيد بناء توازن وطني قائم على الشراكة والمساواة بين الجميع، لا على الإقصاء والكسر.
علينا أن نعي جميعًا، ولمرة أخيرة، أنّ لبنان لا يقوم بانتصار طائفة على أخرى، إنما بتوازن يعترف بالجميع، وإلا فإن السفينة ستغرق بالجميع.

