إلياس المرّ- خاصّ الأفضل نيوز
مع دخول الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أسبوعها الأول، يتضح أن المواجهة لم تعد مجرد احتمال استراتيجي، بل تحولت إلى واقع عسكري يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، الضربات الجوية المتبادلة، واستهداف البنى العسكرية والنووية، واتساع دائرة الاشتباك غير المباشر في أكثر من ساحة، كلها مؤشرات إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع المفتوح ، لكن وسط هذا التصعيد، يبرز سؤال جوهري: أين تقف كل من روسيا والصين؟
في الحسابات الاستراتيجية، يظهر أن موسكو وبكين اختارتا حتى الآن استراتيجية الانخراط الصامت بدلاً من التدخل المباشر؛ فالدولتان تدركان أن الدخول العسكري العلني إلى جانب طهران سيحوّل الحرب سريعاً إلى مواجهة بين القوى الكبرى، وهو سيناريو قد يدفع العالم إلى حافة صدام دولي واسع، لذلك يبدو أن القرار في العاصمتين يقوم على قاعدة واضحة: دعم إيران بما يكفي لمنع انهيارها، دون التورط في حرب مفتوحة مع واشنطن.
بالنسبة لروسيا، التي ما تزال تخوض مواجهة استراتيجية مع الغرب منذ اندلاع الحرب الروسية -الأوكرانية، فإن هذه الحرب تمثل فرصة لإعادة توزيع الضغط على الولايات المتحدة؛ فكلما توسعت الجبهة في الشرق الأوسط، اضطرت واشنطن إلى تشتيت مواردها العسكرية واللوجستية، لذلك تتحرك موسكو في مستوى أقل ظهوراً: تبادل خبرات عسكرية، دعم تقني في مجالات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، وتنسيق استخباراتي غير معلن يهدف إلى رفع كلفة العمليات الأميركية والإسرائيلية.
أما الصين، فمقاربتها أكثر حذراً لكنها ليست أقل أهمية؛ فبكين ترى في إيران ركيزة أساسية في شبكة الطاقة العالمية وفي مسارات مبادرة الحزام والطريق، ومن هنا فإن سقوط إيران أو إضعافها استراتيجياً سيشكل ضربة كبيرة لمصالح الصين الاقتصادية والجيوسياسية، لذلك تعمل بكين على توفير مظلة سياسية واقتصادية لطهران، مع تكثيف التعاون التكنولوجي والعسكري في المجالات التي تعزز القدرة الدفاعية الإيرانية دون إعلان ذلك بشكل مباشر.
تفيد معلوماتنا الديبلوماسية نظرة كلا الدولتين رصدهما لنجاح إسرائيلي في جرّ أميركا إلى هذا الصراع، وهما يرغبان رؤتها في فيتنام جديدة، دون دفع أكلاف عسكرية ولا اقتصادية كبيرة، من هنا يأتي إعلان إيران في الساعات الأخيرة قرارها عدم إغلاق مضيق هرمز، بل حظر الملاحة الأميركية الإسرائيلية فقط، وهذا يمثل رغبة ومصلحة صينية في عدم إغلاق كامل لهذا الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي والصيني تحديداً.
في الكواليس الاستخباراتية، يبدو أن الهدف المشترك لموسكو وبكين ليس خوض الحرب، بل تعقيدها؛ فكلما ارتفعت كلفة العمليات العسكرية على واشنطن وتل أبيب، تقلصت فرص تحقيق نصر سريع أو تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي.
لكن المعادلة قد تتغير سريعاً، فإذا تحولت الحرب إلى محاولة جديّة لإسقاط النظام الإيراني أو توسعت لتشمل إغلاق الممرات النفطية الحيوية، فقد تجد روسيا والصين نفسيهما مضطرتين إلى رفع مستوى الانخراط، عندها فقط قد تنتقل الحرب من نزاع إقليمي كبير إلى مواجهة ذات أبعاد دولية أوسع.
حتى الآن، وفي أسبوعها الأول، تبدو الحرب وكأنها تُخاض في العلن بين ثلاث دول، لكنها في العمق جزء من صراع عالمي أكبر تُدار فصوله بصمت في غرف القرار في موسكو وبكين.

