طارق الحجيري - خاصّ الأفضل نيوز
بعيدًا عن التقييم العسكري للإنزال المعادي الذي استهدف بلدة النبي شيت، وعن الجدل حول من ربح ومن خسر في هذا الهجوم، تبدو القراءة الأعمق في مكان آخر. فالعملية التي هدفت إلى استعادة رفات الطيار الإسرائيلي المفقود رون أراد تتجاوز بعدها العسكري المباشر، لتطرح سؤالًا أعمق حول قيمة المواطن في حسابات الدولة.
رفات قديم.. وملف لم يُغلق
منذ سقوط طائرة أراد في لبنان عام 1986، لم تتوقف إسرائيل عن البحث عنه، حيًّا كان أم ميتًا. عشرات العمليات الأمنية والاستخبارية، وعمليات تبادل الأسرى، وضغوط سياسية، بل وحتى عمليات عسكرية، كلها جرت تحت عنوان واحد: إعادة الجندي أو رفاته إلى بلاده.
ورغم الموقف الوطني والعربي الثابت في العداء لإسرائيل ورفض سياساتها، فإن ما جرى يكشف حقيقة يصعب تجاهلها: هناك دولة تضع مواطنها في رأس سلّم أولوياتها، حتى لو مرّت عقود على غيابه. جندي واحد مفقود منذ ما يقارب أربعين عامًا ما زال ملفه حيًّا في ذاكرة دولته، وما زالت مؤسساتها الأمنية تعمل على إقفاله.
اللبناني في وطنه
في المقابل، ماذا عن المواطن اللبناني؟ ففي لبنان يبدو المواطن بلا شك الحلقة الأضعف في معادلة السلطة.
آلاف اللبنانيين فُقدوا في الحروب، ومئات المخطوفين والمفقودين ما زالت عائلاتهم تبحث عن مصيرهم منذ انتهاء الحرب الأهلية، من دون أن تبذل الدولة جهدًا حقيقيًّا لكشف حقيقة مصيرهم.
غالبًا ما تُفتح ملفات المفقودين في المواسم السياسية والانتخابية، ثم تُقفل سريعًا تحت وطأة الحسابات الضيقة والتوازنات الطائفية. وبين الفتح والإقفال، تبقى العائلات معلّقة بين الأمل والخذلان.
المقارنة مؤلمة
المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من اللبنانيين يشعرون بأن حياتهم وأمنهم وكرامتهم ليست في صدارة أولويات دولتهم. فالدولة التي تعجز عن حماية حدودها، أو عن توفير الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي والاقتصادي والتنمية لمواطنيها، تبدو بعيدة عن فكرة الدولة الراعية لمصالح الناس.
إنزال النبي شيت، بكل ما رافقه من ضجيج عسكري وسياسي وسيناريوهات أقرب إلى المشاهد الهوليودية، يعيد طرح سؤال بسيط في شكله، قاسٍ في دلالته: كم يساوي اللبناني في ميزان دولته؟
في إسرائيل، جندي واحد قادر على تحريك مؤسسات كاملة لعقود. أما في لبنان، فكثيرًا ما يتحوّل المواطن إلى رقم في سجلات النسيان، أو إلى ضحية إضافية في صراعات الداخل والخارج. وجريمة تفجير مرفأ بيروت ما زالت شاهدًا صارخًا على حجم هذا العجز.
لا جدال في عدوانية إسرائيل وسياساتها وإجرامها، لكن الحقيقة التي يصعب إنكارها أن الدول تُقاس، في نهاية المطاف، بمدى احترامها لقيمة مواطنيها.
وهنا تحديدًا المأساة اللبنانية، دولة يبدو فيها المواطن، في كثير من الأحيان، آخر الأولويات.

