غدير عدنان نصرالدين - خاصّ الأفضل نيوز
…حتى الساعة، لا شيء يعلو على صوت الحرب. بين أصوات الغارات، إنذارات الإخلاء، قصف الأبنية والبيوت، وعداد الأرواح الذي يرتفع كل دقيقة، يُعيد سيناريو حرب أيلول نفسه بعد سنة ونصف.
عندما تندلع الحروب، لا تقاس الخسائر بعدد المباني المدمرة فقط، بل بعدد الأشخاص الذين تغيرت حياتهم إلى الأبد، والعائلات التي مُسحت من السجل المدني.
في لبنان، وبين ليلة وضحاها، وجد آلاف اللبنانيين أنفسهم أمام واقعٍ قاسٍ قد عاشوه سابقاً و لم يتخطوه بعد، لبنانيون فُرض عليهم ترك منازلهم والنزوح نحو أماكن أكثر أمناً. حقائب صغيرة تحمل ما تيسّر من الحاجات، وقلوب مثقلة بالخوف والقلق من المجهول. بين مدارس تحوّلت إلى مراكز إيواء، وعائلات تحاول التكيّف مع حياة مؤقتة لا تعرف متى تنتهي، تتكشّف يومياً فصول جديدة من معاناة النزوح الذي-ومن المؤسف القول- أصبح جزءاً من حياة أغلب اللبنانيين، فما هي أبرز الأمور التي يُعاني منها النازحون خصوصاً أن الحرب جاءت في ظل شهر رمضان المبارك؟ وما هي الدوافع التي أجبرت بعض الأسر على البقاء في الجنوب رغم تهديد العدو الإسرائيلي لتلك القرى؟
"تروما" النزوح إلى المدارس… واقع أقوى من قُدرة التّحمُّل
في حديثٍ أجراه "الأفضل نيوز" مع عدد من العائلات الجنوبية النازحة والموزّعة على مدارس في بيروت وضواحيها، برز توافق بينهم على مجموعة من النقاط التي تعكس حجم المعاناة اليومية داخل هذه المدارس. وقد أوضح م.ت -نازح في إحدى المدارس- أنّ استغلال السماسرة للأوضاع يفاقم الأزمة، إذ يفرضون مبالغ خيالية مقابل تأجير المنازل، مع اشتراط دفع مسبق لثلاثة أو ستة أشهر، إضافةً إلى عمولات وتأمينات، ما يزيد العبء على كاهل العائلات التي تعيش أصلاً ظروفاً اقتصادية صعبة، ما يدفعها إلى اللجوء للمدارس ومراكز الإيواء المجانية.
ومن أبرز التحديات التي يواجهها النازحون في المدارس، بحسب شهاداتهم، حاجتهم إلى تأمين وجبات الإفطار أو على الأقل المستلزمات الأساسية لتحضيرها، مثل الخضار والخبز واللحوم، وهي مكونات تُعتبر من المسلّمات على موائد الصائمين في شهر رمضان. وعلى الرغم من وجود مبادرات فردية وجمعيات خيرية تعمل على تقديم المساعدات، إلا أنّ هذه الجهود ما زالت محدودة و"غير كافية"، وفق ما أكّد م.ت.
هذا الرأي توافق مع ما قالته النازحة س.ت، وهي أم لولدين، التي أوضحت أنّهم خلال الحرب الماضية تمكنوا من استئجار غرفة واحدة، أما اليوم فإمكاناتهم المادية لا تسمح بذلك، خصوصاً بعد أن فقدوا منزلهم ومصدر رزقهم واضطروا إلى البدء من جديد. وأضافت أنّ تدهور الوضع الاقتصادي بعد الحرب الأخيرة جعلهم أكثر عجزاً، ما دفعهم إلى الاعتماد على المدارس كمأوى مؤقت في هذه الحرب.
إلى جانب ذلك، يشير بعض الأهالي إلى أنّ اكتظاظ المدارس بالنازحين وغياب الدعم النفسي للأطفال الذين شهدوا أحداث الحرب، يزيد من صعوبة التكيّف مع الحياة اليومية، طارحين بعض التساؤلات عن دور العبادة كالجوامع والكنائس التي مازالت مقفلة في بعض المناطق بوجه النازحين.
البقاء تحت القصف… خيارٌ يفرضه العجز لا الشجاعة
علاوةً عمّا ورد سابقاً، عددٌ لا بأس به من أبناء القرى الجنوبية رفضوا مغادرة قراهم، وفي هذا السياق، أكَّدت المواطنة ن.م أنها وعائلتها فضَّلوا البقاء في قريتهم تحت القصف وصوت الغارات بسبب عدم وجود أي قدرة مادية للإيجارات، وحتى إن وجدت ليس هناك قدرة لتأمين حاجات العيش ومقومات الحياة الأساسية، مستذكرةً الحرب الماضية واصفةً تجربة النزوح التي مرّوا بها أنها كانت مليئة "بالذل، والتعب والمشقة" ولم يكونوا بأمان أبداً إذ سيطر الخوف والخطر على قلوبهم، مؤكدةً أن التهجير ما هو إلا تعب نفسي، مادي وجسدي… فمن المؤسف القول إن قرار بقاء العديد من العائلات في منازلهم في هذه الأوضاع هو القرار الذي يُغنيهم عن مرارة النزوح.
وقد أكدت ن.م أن البلدية في قريتها شكّلت خلية أزمة لمتابعة أوضاع العائلات النازحة خارج القرية، لا سيّما العائلات التي قررت البقاء داخلها وتأمين حاجاتها اليومية…
في المحصلة، بين خوفٍ لا يغيب وأسئلة مفتوحة عن الغد، يعيش النازحون واقعاً قاسياً يختصر معنى الفقدان والانتظار.
ويبقى السؤال هل يمكن للبنان أن يجد يوماً حلولاً جذرية تقي أبناءه من تكرار مشاهد النزوح والمعاناة مع كل حرب جديدة؟

