ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
في لحظة إقليمية شديدة الخطورة، وبينما يتصاعد التوتر العسكري على معظم الجبهات بين حزب الله وإسرائيل، يحاول لبنان فتح نافذة دبلوماسية تحول دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع. وفي هذا السياق، برز موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال لقاء افتراضي عبر تقنية «زووم» جمعه بقيادة الاتحاد الأوروبي، حيث طرح رؤية لبنانية متكاملة لوقف الحرب وفتح مسار تفاوضي يضع حداً للتصعيد المتسارع.
عون، الذي خاطب رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية، رسم صورة واضحة لحجم المخاطر التي يواجهها لبنان، مؤكداً أن الوضع اليوم «أكثر تطوراً وخطورة» في ظل التصعيد العسكري المستمر. وفي المقابل، شدد على أن الحكومة اللبنانية اتخذت في الثاني من آذار قراراً حاسماً «لا عودة عنه» يقضي بحظر أي نشاط عسكري أو أمني لحزب الله، وهو قرار قال إن الدولة اللبنانية تسعى إلى تنفيذه «بشكل واضح وحاسم».
وانطلاقاً من هذا القرار، عرض عون أمام الأوروبيين مبادرة لبنانية متكاملة لوقف الحرب، داعياً المجتمع الدولي إلى دعمها وتنفيذها. وترتكز هذه المبادرة على أربعة عناصر أساسية تبدأ بإرساء هدنة شاملة ووقف كامل للاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية على لبنان، بما يوقف دوامة التصعيد العسكري.
كما تتضمن المبادرة دعماً لوجستياً سريعاً للقوى المسلحة اللبنانية، بما يمكنها من الانتشار الفوري في مناطق التوتر والسيطرة عليها، على أن تتولى هذه القوات مصادرة السلاح ونزع سلاح حزب الله ومخازنه ومستودعاته وفق المعلومات والمعطيات المتوافرة لديها.
وبالتوازي مع هذه الخطوات الميدانية، اقترح عون إطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية، على أن تبحث هذه المفاوضات في آليات تنفيذ الترتيبات الأمنية المقترحة وتثبيت الاستقرار على الحدود.
هذا الطرح، الذي حاول رئيس الجمهورية تقديمه كخريطة طريق عملية لوقف الحرب، يأتي في وقت تتكثف فيه الاتصالات الدبلوماسية بين بيروت وعدد من العواصم المؤثرة، إضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، في محاولة لبلورة إطار تفاوضي قادر على احتواء التصعيد.
غير أن المسار الدبلوماسي الذي تسعى إليه الرئاسة اللبنانية يصطدم حتى الآن بتعقيدات سياسية وميدانية كبيرة. فوفق ما كشفت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الأفضل نيوز»، فإن إسرائيل لا تبدي حماسة للدخول في مفاوضات جدية في هذه المرحلة، معتبرة أن المواجهة الحالية تمثل فرصة لإضعاف حزب الله إلى حد القضاء عليه.
كما تشير هذه المصادر إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية تتجاوز احتواء المواجهة، لتذهب نحو محاولة تغيير موازين القوى على الحدود اللبنانية، وهو ما يفسر استمرار الضربات العسكرية واتساع نطاق العمليات.
في المقابل، تدفع بعض العواصم الأوروبية، وفي مقدمها باريس، باتجاه احتواء التصعيد ومنع اندلاع حرب شاملة. فقد دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الامتناع عن أي عملية برية داخل لبنان، محذراً من أن خطوة كهذه قد تؤدي إلى إشعال المنطقة بأكملها، ومستهجناً المخاطر الاستراتيجية التي يعرض حزب الله لبنان لها.
أما في واشنطن، فتبدو المقاربة أكثر تشدداً. إذ تشير معلومات متداولة في الأوساط السياسية اللبنانية لـ«الأفضل نيوز» إلى أن الولايات المتحدة نقلت إلى المسؤولين في بيروت رسالة واضحة تدعو إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من دون شروط مسبقة، وإلا فإن يد إسرائيل ستكون مطلقة في لبنان حتى تحقيق الهدف.
إلى جانب هذه الضغوط الدولية، يواجه المسار الذي يحاول عون إطلاقه معضلة أساسية تتعلق بموقف حزب الله، الذي يرفض العودة إلى أي صيغة لوقف النار يمكن أن تُفسَّر على أنها نتيجة ضغط عسكري.
رغم ذلك، لا تزال الاتصالات السياسية مفتوحة، إذ تشير معطيات إلى أن الحزب فوض رئيس مجلس النواب نبيه بري إدارة أي مسار تفاوضي محتمل، في حين يجري تداول أفكار أولية في الكواليس حول ترتيبات ميدانية محدودة، من بينها تحييد الضاحية الجنوبية لبيروت عن الاستهداف الإسرائيلي مقابل ترتيبات أمنية محددة.
لكن هذه الأفكار، وإن عكست محاولة لخفض مستوى التصعيد، لا تزال بعيدة عن تشكيل تسوية شاملة، في ظل مؤشرات متزايدة إلى أن القيادة الإسرائيلية تفضل مواصلة الضغط العسكري لتحقيق أهداف أوسع قبل الدخول في أي مفاوضات.
هكذا يقف لبنان اليوم عند تقاطع شديد التعقيد والخطورة، بين مسار دبلوماسي يسابق الوقت لوقف الحرب، وبين ميدان يفرض إيقاعه الخاص ويعيد رسم حدود الممكن سياسياً. وبين هذين المسارين، تبقى الأيام المقبلة مفتوحة على أخطر الاحتمالات.

