طارق ترشيشي_خاص الأفضل نيوز
في مشهدٍ عسكريٍّ معقدٍ ومتشابك، لم تعد الحرب الإسرائيلية على حزب الله مجرد جبهة إسناد تقليدية للنزاع في غزة، بل تحولت حرب استنزاف مفتوحة ذات سقف مرتفع، تديرها إيران وحزب الله وفق استراتيجية "الربط الكامل" بين جبهات لبنان والعمق الإسرائيلي والأراضي الإيرانية. فبينما تحاول إسرائيل فرض معادلات جديدة على الأرض، يواجه حلفاؤها صعوبات متزايدة في تحقيق أهدافهم المعلنة.
يقول مراقبون مطلعون لموقع "الافضل نيوز" إن المشهد العسكري الحالي يدور ضمن ثلاثة مسارات متوازية، تعكس تحولاً نوعياً في طبيعة المواجهة:
ـ المسار الأول: تمدّد إسرائيلي بلا حسم
بعد الإنزالين الجويين في البقاع أخيراً، تحاول إسرائيل فتح جبهة ثانية شرقاً، بهدف قطع خطوط الإمداد وتوسيع رقعة المواجهة. لكنها تواجه مقاومة عنيفة لم تكن متوقعة. التقارير الميدانية الصادرة عن مصادر مطلعة تؤكد أن التقدم البري الإسرائيلي يعاني بشدة؛ حيث تكبد لواء "جفعاتي" النخبوي خسائر فادحة بسبب صواريخ مضادة للدروع لم تكن التقديرات الاستخباراتية تتوقع وجودها بهذه الكثافة في تلك المناطق. وفي تطور لافت، تستعد القيادة الشمالية لإدخال الفرقة 162 إلى المعركة، لكن النقص الحاد في القوى البشرية والاحتياط، واستنزاف الوحدات النظامية، يحول دون تنفيذ اجتياح شامل أو حسم عسكري سريع.
ـ المسار الثاني: تحوّل نوعي لحزب الله
على الجانب الآخر، انتقل حزب الله من الردود المحدودة والمحسوبة إلى معادلة جديدة وقاسية: قصف المستوطنات مقابل استهداف بيروت وضاحيتها والبقاع وطهران. المدى الجغرافي للصواريخ التي يطلقها الحزب توسع بنحو لافت خلال الأيام الأخيرة، ليصل إلى أكثر من 120 كيلومتراً داخل العمق الإسرائيلي، شاملاً حيفا والخضيرة ومحيط تل أبيب. التكتيك الجديد يعتمد على إرباك الدفاعات الجوية الإسرائيلية والأميركية بإطلاق كثيف ومتزامن مع الضربات الإيرانية، مع تركيز واضح على استهداف مصافي النفط والبنية التحتية الحيوية في الشمال، بهدف رفع كلفة الحرب الاقتصادية على إسرائيل.
ـ المسار الثالث: حرب الاستنزاف من منظور آخر
ما يجهله كثيرون هو أن حزب الله يبدو مستعداً لمعركة طويلة الأمد. وتشير مصادر مطلعة إلى أن "الحجر الأساس" في هذه الحرب هو عملية إعادة تسليح ضخمة استمرت لأشهر قبل التصعيد الحالي، هذا التراكم النوعي مكّن الحزب من استعادة توازن الردع، وفرض معادلة جديدة قد تكون الأكثر إيلاماً لإسرائيل
في هذا السياق تواجه واشنطن وتل أبيب معضلة استراتيجية حقيقية. الدعم الأميركي واضح وملموس على الأرض، حيث سقط حتى الآن 7 قتلى من الجنود الأميركيين في هجمات مختلفة بالمنطقة. لكن الهدف النهائي لهذا الدعم يبقى غير واضح. فإسرائيل تعلن صراحة أن هدفها يتجاوز حزب الله ليشمل "القضاء على النظام الإيراني" ذاته، بينما ترفض واشنطن حتى الآن أي تسوية سياسية، وتدفع في اتجاه خيار "الاستسلام الكامل" للمقاومة. الهدف المعلن عسكرياً هو تفكيك القدرات الصاروخية لحزب الله ومنع تهديد الشمال الإسرائيلي، لكن القيود البشرية والسياسية، ناهيك عن التكاليف الباهظة، تمنع تحقيق ذلك برياً.
وفي المقابل، تنظر طهران إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها ورقة ضغط استراتيجية لتحقيق ثلاثة أهداف متكاملة:
ـ تخفيف الضغط عن العمق الإيراني عبر إشغال الدفاعات الجوية الإسرائيلية واستنزافها، لتمكين الضربات الإيرانية من الوصول إلى أهدافها وتقليل فعالية اعتراضها.
ـ الردع الاقتصادي عبر رفع كلفة الحرب على إسرائيل والغرب عبر استهداف البنية التحتية للطاقة. التهديد واضح: استمرار استهداف إيران قد يعني وصول أسعار النفط إلى عنان السماء، مع ما يعنيه ذلك من تداعيات على الاقتصاد العالمي.
ـ إعادة التوازن النفسي والاستراتيجي عبر إثبات أن سياسة الاغتيالات التي طالت قادة كباراً في الحرس الثوري وحزب الله، وآخرها استهداف قيادات في فيلق القدس في لبنان، لن تكسر إرادة المقاومة، بل على العكس، توسع دائرة النار وتعمق الرد.
ويؤكد المراقبون المطلعون أن السيناريوهات المتوقعة في الأسابيع المقبلة تشير الى أنه في المستقبل القريب سيتحدد بناءً على تطورات ثلاث نقاط حاسمة:
ـ احتمال التصعيد نحو حرب شاملة بحيث أن إسرائيل إذا نفذت تهديداتها المتكررة باغتيال المرشد الإيراني الجديد السيد مجتبى خامنئي، أو استهداف المنشآت النووية الإيرانية مباشرة، فإن طهران وحزب الله قد يردان باستهداف تل أبيب بصواريخ دقيقة لم تستخدم بعد. وهذا السيناريو قد يجر المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة، لا تستطيع إسرائيل وحدها تحمل كلفتها، وقد تجر واشنطن إلى مستنقع جديد.
ـ سيناريو الاستنزاف الطويل، وهو الأكثر رجحاناً، حيث أنه في ظل المعطيات الراهنة، يبدو أن جميع الأطراف يتجهون نحو المراهنة على قدرة الصمود. إيران أعلنت استعدادها للقتال بهذه الوتيرة لأشهر مقبلة، وحزب الله يمتلك ترسانة تضم عشرات آلاف الصواريخ من أنواع مختلفة، بينما تعاني إسرائيل من استنزاف معنوي ومادي متزايد، يتجلى في نزوح مستوطني الشمال وتراجع الثقة بالقدرة على تحقيق النصر.
ـ التدخلات الخارجية: الولايات المتحدة تحت ضغط متزايد داخلياً لزيادة تدخلها المباشر، خصوصًا مع مطالبة شخصيات كالسيناتور ليندسي غراهام بمشاركة أميركية علنية. أي انزلاق نحو استخدام أسلحة غير تقليدية، كما يحذر بعض المحللين من احتمال استخدام سلاح "نووي تكتيكي" في لحظة يأس، سيعيد رسم قواعد اللعبة بنحو كارثي، خصوصًا في ظل مراقبة روسيا والصين عن كثب لهذا التصعيد.
في ضوء كل هذه المعطيات فان السؤال الكبير الذي يحدد ملامح المستقبل: هل تنجح استراتيجية "وحدة الساحات" التي يقودها حزب الله بدعم إيراني في إجبار إسرائيل على الذهاب الى انتخابات مبكرة أو تغيير أهدافها الحربية؟ أم أن الضربات الإسرائيلية المركزة على القيادة في بيروت وطهران ستحدث شرخاً في صنع القرار الإيراني وتدفع نحو تسوية مختلفة؟
الأيام المقبلة وحدها ستكون كفيلة بكشف أي السيناريوهين سيسود.

