ربى اليوسف - خاصّ الأفضل نيوز
"أنا لحبيبي وحبيبي لي".. هكذا جاءت العبارة في سفر نشيد الإنشاد، وهكذا غنّتها السيدة فيروز بصوتٍ صار جزءًا من ذاكرة هذا الشرق.. عبارةٌ تبدو في ظاهرها حديثًا عن حبيبٍ- إنسان، لكنها في أزمنة القلق والحرب تفتح بابًا لمعنى آخر: ماذا لو كان الحبيب.. بيتًا؟.
فالبيت، في حياة الإنسان، ليس مجرد جدران وسقف.. إنه العلاقة الأعمق التي تنشأ بين الإنسان والمكان.. فيه تتشكل الذاكرة، وتُكتب الأيام العادية التي لا ننتبه لقيمتها إلا حين تختفي.. وعندما يختفي البيت، لا يختفي مكان فحسب.. بل يختفي جزءٌ كامل من حياتنا معه.
لذلك يبدو فقدان البيت، في زمن الحرب والنزوح، شبيهًا بفقدان حبيب.. علاقةٌ كانت طبيعية وبديهية، ثم تحولت فجأة إلى حنين دائم. كأن الإنسان يردّد، كما كتب بابلو نيرودا "الحبُّ قصير.. أمّا النسيان فطويل".
لهذا السبب يصبح الغياب عن البيت أكثر من مجرد انتقال جغرافي؛ إنه انفصال عاطفي عن جزء من الذات.. فعلم النفس البيئي يفسّر هذه العلاقة بما يُعرف بـالارتباط بالمكان، حيث تتكوّن بين الإنسان وبيئته اليومية روابط عاطفية ومعرفية تتشكل عبر التكرار والذكريات والتجارب الشخصية.. ومع مرور الوقت، يصبح المكان جزءًا من هوية الفرد وإحساسه بالاستقرار.
وعندما يُفقد هذا المكان فجأة، كما يحدث في الحروب والنزوح، يتعرّض الإنسان لما يشبه الصدمة المكانية؛ شعور بالاقتلاع واللايقين، لأن الإطار الذي كانت تُنظَّم فيه الحياة اليومية اختفى.. لذلك لا يشعر النازح بأنه فقد عنوانًا فحسب، بل يشعر أيضًا بأن جزءًا من توازنه النفسي قد اختل، وأن الذاكرة التي كانت ترتكز على تفاصيل المكان أصبحت معلّقة بين الماضي والواقع الجديد.
ومع موجات النزوح، تتكرر المشاهد نفسها: عائلات خرجت من بيوتها في جنوب لبنان، وأخرى تركت شوارعها في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأسر حملت ما استطاعت حمله من ذكريات وملابس إلى القرى والبلدات في البقاع.. ويا بقاع "وادي التيم".
في هذه الرحلة الثقيلة، تظهر وجوه الأمومة والأبوة والطفولة بوضوح أكبر، فيما يكتشف الأطفال العالم فجأة خارج غرفهم وألعابهم ومدارسهم..تكبر الطفولة أسرع مما ينبغي، وتجد العائلة نفسها كلها في مواجهة سؤالٍ واحد: كيف نحمي هذا الدفء الصغير في عالمٍ فقد الكثير من دفئه؟.
البيت ليس عنوانًا فقط، بل جزء من هوية الإنسان.. الحيّ، الطريق، الجيران، وحتى الشجرة القريبة من الباب، كلها تفاصيل تصنع معنى الانتماء، وعندما يفقد الإنسان بيته، يشعر وكأنه فقد نقطة ثابتة في حياته.
وهكذا، يصبح النزوح أكثر من مجرد حركة سكانية أو خبر في نشرات الأخبار؛ إنه تجربة إنسانية تعيد تعريف معنى البيت والعائلة والطفولة. ففي الحروب، لا تسقط البيوت كحجارة فقط، بل كعلاقات كاملة بين الإنسان والمكان.
"أنا لحبيبي وحبيبي لي".. كلمات نشيد الإنشاد تبدو اليوم عن البيت: علاقة حب تُنتزع فجأة.. ليس مجرد جدران وسقف، بل مكان يعرف أسماءنا ويعيدنا كل مساء إلى شعور اسمه الأمان.

