نوال أبو حيدر -خاصّ الأفضل نيوز
في ظلّ الأزمات المتعاقبة التي يشهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة، من أزمات اقتصادية خانقة إلى تداعيات النزاعات والحروب في المنطقة، برزت تحوّلات اجتماعية واضحة أثّرت في مختلف جوانب الحياة اليومية. ومن بين أبرز هذه التحوّلات تزايد أعداد الوافدين والنازحين الباحثين عن الأمان والاستقرار داخل الأراضي اللبنانية، الأمر الذي أدّى إلى ضغط كبير على سوق السكن. فقد ارتفع الطلب على الشقق والمساكن بشكل ملحوظ، ما ساهم في زيادة أسعار الإيجارات وصعوبة حصول العديد من الأسر على سكن يتناسب مع قدراتهم.
وفي ظلّ هشاشة أوضاع الكثير من الوافدين وافتقارهم إلى الموارد الكافية أو الحماية الكاملة، ظهرت بعض مظاهر الاستغلال المرتبطة بالحاجة الملحّة إلى المأوى، مثل فرض إيجارات مرتفعة أو تأجير مساكن غير لائقة بشروط قاسية.
وهكذا تحوّلت مسألة السكن في لبنان إلى مشكلة اجتماعية تعكس تداخل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية في واقع المجتمع اللبناني اليوم.
السكن... بين الحاجة والاستغلال
انطلاقاً من هذا الواقع، برزت في المجتمع اللبناني مظاهر واضحة من الاستغلال والجشع في سوق السكن. فمع ارتفاع الطلب على السكن وازدياد حاجة الوافدين والنازحين إلى مأوى سريع، استغلّ بعض المالكين هذه الظروف لتحقيق أرباح مرتفعة دون مراعاة للبعد الإنساني، فارتفعت بدلات الإيجار بشكل مبالغ فيه، وأصبح بعض الأشخاص يؤجّرون شققاً صغيرة لعدد كبير من العائلات أو الأفراد مقابل مبالغ تفوق قدرتهم المادية.
كما ظهرت ممارسات أخرى تعكس هذا الاستغلال، مثل تأجير أماكن غير صالحة للسكن تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الشروط الصحية والخدمات الأساسية، أو فرض شروط قاسية على المستأجرين مستفيدين من حاجتهم الملحّة إلى المأوى. وفي كثير من الحالات، يجد الوافدون أنفسهم مضطرين إلى القبول بهذه الظروف بسبب ضعف إمكاناتهم وقلة الخيارات المتاحة أمامهم.
الضغط الاجتماعي لسوق الإيجارات
ولا يقتصر تأثير هذه الظاهرة على الوافدين فحسب، بل ينعكس أيضاً على المجتمع اللبناني ككل، إذ يساهم هذا الجشع في ارتفاع عام في أسعار الإيجارات ويزيد من معاناة العائلات اللبنانية ذات الدخل المحدود. ومن هنا تبرز خطورة هذه الظاهرة الاجتماعية على تماسك المجتمع اللبناني، إذ إن استمرار الاستغلال والجشع في سوق السكن يساهمان في تعميق الفوارق الاجتماعية وزيادة معاناة الفئات الضعيفة؛ فحين تتحوّل حاجة الإنسان الأساسية للسكن إلى وسيلة لتحقيق الربح السريع دون مراعاة للظروف الإنسانية، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع قيم التضامن والتكافل التي يقوم عليها أي مجتمع متماسك. إذ تبرز الحاجة إلى وعي اجتماعي أكبر وإلى دور فعّال من الدولة والجهات المعنية لضبط سوق الإيجارات والحدّ من مظاهر الاستغلال.
الظلم الاجتماعي وتوتر العلاقات
كما أن هذا الواقع قد يولّد شعوراً بالظلم والاحتقان لدى كل من الوافدين وبعض العائلات اللبنانية التي تجد نفسها عاجزة عن تحمّل تكاليف السكن المرتفعة. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحوّل هذه المشاعر إلى توترات اجتماعية تزيد من صعوبة التعايش داخل المجتمع الواحد.
التضامن وحفظ الاستقرار الاجتماعي
لذلك، تبرز ضرورة معالجة هذه المشكلة من خلال تعزيز الوعي الاجتماعي بأهمية احترام كرامة الإنسان وحقه في السكن اللائق، إلى جانب تفعيل دور الدولة والبلديات في مراقبة سوق الإيجارات ووضع ضوابط تحدّ من الاستغلال والجشع. كما يبقى تعزيز قيم التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع عنصراً أساسيًا في مواجهة هذه الأزمة، بما يساهم في حماية الفئات الأكثر هشاشة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

