ندى أندراوس - خاص الأفضل نيوز
في الوقت الذي تتكثّف فيه الاتصالات الدبلوماسية على أعلى المستويات وحتى ساعات متأخرة من الليل لاحتواء المواجهة الدائرة بين حزب الله وإسرائيل، لا تزال المساعي السياسية عاجزة عن تحقيق أي اختراق فعلي يفضي إلى وقف إطلاق النار. وبينما كانت رئاسة الجمهورية تنتظر رداً أميركياً على مبادرة الرئيس جوزاف عون، جاء الرد عملياً بالنيران من طرفي النزاع حزب الله وإسرائيل، في مؤشر واضح إلى أن الكلمة باتت للميدان وصوت المدفع، بعدما حاول الداخل اللبناني بلورة موقف موحّد حول المبادرة وتجنّب الخلافات في هذه المرحلة الخطيرة.
في هذا السياق، كانت عين التينة تحولت في ساعات النهار إلى مركز المشاورات السياسية الداخلية، حيث عقدت سلسلة لقاءات جمعت رئيس مجلس النواب نبيه بري برئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى زيارة مستشار رئيس الجمهورية أندريه رحّال، في محاولة لتأمين غطاء سياسي موحّد للمبادرة الرئاسية المؤلفة من أربع نقاط. غير أنّ النقاشات كشفت سريعاً عن تباينات في المقاربة بين أركان السلطة، ولا سيما حول آلية التفاوض مع إسرائيل.
وفي معلومات الأفضل نيوز، سجّل بري اعتراضاً على النقطة الرابعة من المبادرة، مفضّلاً إبقاء أي مسار تفاوضي ضمن إطار الميكانيزم، والعودة إلى اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني وتطبيق كامل بنوده كأساس لأي تسوية، ورفض مفاوضات مفتوحة تحت ضغط العمليات العسكرية، وهو موقف يلتقي مع موقف حزب الله الرافض لأي تفاوض، فيما العمليات العسكرية مستمرة. إلا أن هذه الصيغة غير مقبولة لدى واشنطن أو تل أبيب، اللتين تسعيان إلى ترتيبات أمنية أوسع ترتبط مباشرة بمصير سلاح حزب الله.
أكثر من ذلك، نقل إلى لبنان أن تل أبيب تعارض البند المتعلق بوقف الاعتداءات، فيما يذهب الخطاب الإسرائيلي إلى مستويات أكثر تصعيداً. وقد تجلى ذلك بما أعلنه مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة أن أمام الحكومة اللبنانية خيارين: تفكيك سلاح حزب الله أو أن تتولى إسرائيل القيام بذلك بنفسها.
وتكشف مصادر دبلوماسية للأفضل نيوز أيضاً أن الرسائل الإسرائيلية إلى بيروت أصبحت أكثر حدّة، إذ جرى إبلاغ الدولة اللبنانية بصورة غير مباشرة بضرورة الشروع بإجراءات عملية ضد حزب الله، حتى في ظل الحرب، وإلا فإن البنى التحتية اللبنانية والمنشآت المدنية ستصبح ضمن بنك الاهداف، بالإضافة إلى توسيع العمليات في لبنان بشكل كبير. إذ بالنسبة إلى إسرائيل، الدولة اللبنانية أثبتت، أنها ليست عاملاً قادراً على كبح جماح الحزب.
هذا التشدد يتقاطع مع الموقف الأميركي الذي يحمّل الدولة اللبنانية مسؤولية عدم الالتزام بالتعهدات المتعلقة بحصرية السلاح. وفي هذا الإطار تم تفسير كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير عن لبنان وحزب الله. وفي ظل هذا المناخ، لم تخف المصادر الدبلوماسية خشيتها من أن تستغل إسرائيل التوتر القائم بين بيروت وواشنطن لفرض وقائع عسكرية جديدة على الأرض.
المعطيات الميدانية تعزز هذا الاحتمال. فقد أنهت قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي حشد أكثر من عشر كتائب في مواقع متقدمة داخل جنوب لبنان، فيما تنتشر ثلاث فرق عسكرية على طول الحدود، مع تقسيم الجبهة إلى ثلاث مناطق عمليات. ويُنظر إلى هذا الانتشار على أنه استعداد لسيناريوهات متعددة، تبدأ بتوغّل محدود قد لا يتجاوز نهر الليطاني، وقد تمتد إلى عملية أوسع تهدف إلى قطع خطوط الإمداد بين الجنوب والبقاع.
على وقع ما شهده ليل الأربعاء من تصعيد غير مسبوق في هذه الحرب من قبل حزب الله الذي أطلق أكثر من مئة صاروخ في عملية أطلق عليها تسمية العصف المأكول، والهجوم الإسرائيلي بأحزمة نارية على كل الاتجاهات، والتهديد برد "الصاع صاعين" على لسان المتحدث باسم جيشه، تتقدم لغة الميدان على أي مبادرة ومسعى دبلوماسي، في وقت أن مسار التصعيد يوحي بأن الحرب ستطول لا يعرف أي خطوط وحدود ووقائع ستفرض نتائجها.

