أكرم حمدان_خاص "الأفضل نيوز"
منذ أن بدأت الحرب الأميريكية-الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من شباط الماضي، وبدأت تطال المنطقة بأكملها ولا سيما دول الخليج العربي، بدأت الأسئلة والتساؤلات تكبر وتتوسع على الرغم من المواقف المعلنة لمختلف الأطراف لجهة إدانة الهجمات الإيرانية التي استهدفت مواقع داخل دول الخليج، ووصل الأمر إلى قرار مجلس الأمن الدولي الأخير الذي ندّد بالاعتداءات الإيرانية على دول الخليج.
إلا أن كل ذلك لم يمنع من طرح سؤال جوهري انفردت به مجلة "إيكونوميست" حول إن كان على دول الخليج العربي المشاركة في الهجمات ضد إيران، وبخاصة أنها كانت الأكثر عرضة لها؟ وما الذي يمنعها من ذلك وما هي مخاوفها وهل فقدت الثقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحليفته إسرائيل؟؟
وقالت المجلة إن أمريكا، وفي الأشهر التي سبقت قرار ترامب (وإسرائيل) شنّ الحرب على إيران، حثته كل دول مجلس التعاون الخليجي على عدم القيام بذلك، ولم يشعروا بالاطمئنان من أي شيء قاله ترامب خلال الأيام العشرة الأولى من الحرب، ويعرف حكام الخليج أنه قد يكون غير جدير بالثقة، فقبل أقل من عام، وقف في الرياض وندّد بـ"المتدخلين" الذين "دمروا" الشرق الأوسط، ويتذكرون أيضا تقاعسه بعد الهجوم الإيراني على منشآت النفط السعودية عام 2019، كما يمكنهم متابعة نتائج استطلاعات الرأي في أمريكا، التي تظهر معارضة الأغلبية للحرب، وتراجع شعبية الرئيس إلى 38% وهي نسبة لم تتغير منذ وقت طويل.
في المقابل، سعت السعودية والإمارات لسنوات قبل الحرب إلى تحسين علاقاتهما المتوترة مع الجمهورية الإسلامية، بينما حافظت قطر على علاقات ودية معها لفترة طويلة.
ولا ننسى الدور الإسرائيلي الذي يسعى دائماً لتوتير العلاقة بين طهران ودول الخليج، بدليل أنه في 8 آذار/مارس الحالي أفاد عدد من الصحافيين الإسرائيليين بالإجماع أن الإمارات انضمت إلى الحرب بمهاجمة محطة لتحلية المياه في إيران. ونسبت رواياتهم غير المؤكدة إلى "مصدر إسرائيلي" مجهول، وسارعت الإمارات إلى نفي ذلك، وقال علي النعيمي، وهو مسؤول دفاعي: "هذه أخبار كاذبة".
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يطلق فيها صحافيون إسرائيليون مثل هذا الادعاء بشأن دولة خليجية، فقبل أيام، أفادوا بأن قطر شنت غارات على إيران، وهو ما تم نفيه أيضا، ويرى مسؤول من دولة خليجية ثالثة أن إسرائيل تحاول فرض أمر واقع بتسريب تقارير عن عمل عسكري مزعوم لدول مجلس التعاون الخليجي، ويعلق: "إنها لعبة قذرة".
ولا ننسى ما تردد من معلومات عن ضبط أجهزة الأمن الإماراتية وغيرها من دول الخليج لعملاء لجهاز الموساد الإسرائيلي وهم يحاولون القيام بأعمال تخريبية في هذه الدول.
ولا ننسى تذمّر مجتمع رجال الأعمال، الذي برز من خلال ما نشره الملياردير خلف الحبتور، من انتقادات للحرب على وسائل التواصل الاجتماعي، متهمًا أمريكا بجر الخليج إلى الخطر، وكذلك التحذيرات الأخيرة الصادرة عن رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني والتي تؤكّد على تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة نزاعاتٍ مستمرّة.
وهذا يلتقي مع ما أعلنه وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي من أنّ الحرب الأخيرة على إيران حصلت في وقت كانت المفاوضات معها قد بلغت مرحلة متقدّمة في اتّجاه حلٍّ عادل.
أضف إلى ذلك ما قامت به إسرائيل من تحريض للمكوّنات الكردية والأوزبكية والبلوشية على الانضمام الى جبهتها، فنفذت إنزالها الجويّ في الأراضي العراقية للقيام سرّاً بقصف دولةٍ خليجية بطائرات مسيّرة لكي تُشعل الحرب بين هذه الدولة والعراق، ونفذت استهدافات في أذربيجان واتهمت فيها إيران كما استعملت الأجواء السورية لعبور طائرات الهيلكوبتر إلى لبنان وتنفيذ الإنزال في خراج بلدة "سرغايا" السورية ومحاولة التسلّل من هناك الى الأراض اللبنانية والتسويق أنها هبطت في مكان أعدّه لها الجيش السوري، بهدف إشعال الحرب بين اللبنانيين والسوريين. ولا تغيب عن بالنا تصريحات ليندسي غراهام، ظلّ الرئيس ترامب، الذي هوّل على دول الخليج بوجوب الانخراط المباشر في المعركة، إضافة إلى دعوة ترامب نفسه للرئيس التركي للانضمام إليه وإطلاق صواريخه.
الوعي العربي
بالمقابل، بدا واضحاً الوعي المشترك لهذا المخطط، من خلال تفعيل التواصل بين وزراء خارجية دول المنطقة، لا سيما بين وزيري الخارجية الإيراني والسعودي، ما يُشكّل نقطة ضوءٍ في مواجهته.
ويبرز في هذا السياق الدور المصري الفعال لجهة احتواء التصعيد وتهدئة الأوضاع، سيما وأن الدبلوماسية المصرية وسياستها الخارجية تتسم بالتوازن، وتربطها علاقات طيبة مع مختلف دول العالم دون استثناء،الأمر الذي يمنحها القدرة على التواصل مع جميع الأطراف، وهو ما يتأكد في الأزمات.
وقد كان للاتصالات التي أجرتها القيادة المصرية مع قادة كل من دول الخليج العربي وإيران أثراً واضحاً في تفادي أي مواجهة مباشرة وتفهماً متبادلاً، انعكس في مواقف وتصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين ومنها الاعتذار العلني للرئيس الإيراني.
وعطفاً على ما تقدم ، ترى مصادر متابعة أن تعزيز الفهم والروابط بين طهران ودول الخليج يتطلب سلسلة من الخطوات التي تعزز الوعي عبر رفض الانجرار إلى النزاعات المفتعلة وتعزيز التنسيق الإقليمي الفاعل وتثقيف الشعوب وإشراكها بالوعي الاستراتيجي والضغط الاستراتيجي على الولايات المتحدة وشعبها ومصالحها، إضافة إلى الثبات والصمود، فالتاريخ مليءٌ بالدروس التي تخلصُ إلى أنّ المشاريع التوسّعية لا تنهار بالقوّة العسكرية وحدها، بل أيضاً بوعي الشعوب وتماسكها ومقاومتها للاحتلال الفكري والسياسي وللعدوان العسكري.

