ندى أندراوس - خاصّ الأفضل نيوز
مع اتساع رقعة العمليات العسكرية في جنوب لبنان، ومع بدء تنفيذ التهديدات الإسرائيلية واستهداف الجسور والطرق والبنى التحتية الحيوية، يتبلور مشهد ميداني يتجاوز حدود المواجهة التقليدية. فالتقدّم الإسرائيلي المتزامن على عدة محاور، من مزارع شبعا وكفرشوبا شرقاً إلى اللبونة ومشروع الطيبة غرباً، يوحي بأن ما يجري لا يقتصر على عمليات عسكرية محدودة، بل يندرج في سياق محاولة إعادة رسم المشهد الحدودي جنوباً وفرض معادلة جغرافية جديدة عنوانها المنطقة العازلة.
المحاور التي دخل منها الجيش الإسرائيلي ترسم خريطة واضحة للتوغل البري. فمن محور مزارع شبعا باتجاه بلدتي شبعا وكفرشوبا، إلى محور الخيام الذي يضم تل الحمامص ووادي العصافير، وصولاً إلى محور العديسة، رب ثلاثين، مركبا، ومحور عيترون وبليدا ويارون مارون الراس، إضافة إلى القوزح والصالحاني وجبل بلاط واللبونة ومشروع الطيبة. هذه المحاور لا تبدو عشوائية، بل تعكس اختياراً عسكرياً لمواقع مرتفعة ومفاتيح جغرافية تشرف على القرى الحدودية وتشكل نقاط تحكم بالنار والحركة.
يتزامن هذا التقدم مع بدء استهداف للبنية التحتية، خصوصاً الجسور والطرقات التي تربط القرى الجنوبية ببعضها وبالعمق اللبناني. وهي استراتيجية لطالما استخدمتها إسرائيل في حروبها، ليس فقط لتعطيل حركة حزب الله، بل أيضاً وبشكل أساسي للضغط على الدولة اللبنانية وتضييق الخناق على اللبنانيين للدفع باتجاه الانتهاء من سلاح حزب الله.
غير أن قراءة الواقع لا يمكن أن تنفصل عن التجارب السابقة في الجنوب. ففي العام 1978، وبعد اجتياح واسع، فرضت إسرائيل واقعاً أمنياً أدى إلى قيام الشريط الحدودي. هذا الشريط لم يكن مجرد انتشار عسكري، بل منظومة أمنية متكاملة امتدت لعقود.
في حرب تموز العام 2006، حاولت إسرائيل مجدداً تغيير المعادلة الحدودية عبر توغلات برية وغارات كثيفة، إلا أن العمليات بقيت محكومة بإطار المعركة العسكرية ولم تنجح في فرض واقع احتلالي طويل الأمد كالذي ساد قبل العام 2000. فانتهت الحرب بقرار دولي أعاد التأكيد على الخط الأزرق وانتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل في الجنوب، ما حال دون نشوء شريط أمني جديد.
أما في حرب الـ66 يوماً العام 2024، فقد أعادت الاحتلال من باب التلال الخمس، ما أعاد إلى الأذهان فكرة السيطرة بالنقاط لا بالمساحات الواسعة. فعاد الجنوب إلى واقع ميداني واستحضار تاريخ صعب عاشه الجنوبيون بسبب الاحتلال.
اليوم، في الحرب الحالية، المعادلة أكثر تعقيداً وخطورة. فالتقدم على هذا العدد من المحاور، مقروناً بتدمير البنية التحتية وإخلاء مناطق واسعة من أهلها، يمهد لخلق حزام أمني بالنار والتدمير، تمهيدًا لإنشاء منطقة عازلة وأعادت عقارب الساعة إلى عقود من تاريخ حزين من الاحتلال. فالمنطقة التي تُفرغ من سكانها وتُقطع طرقها وتخضع لنيران مستمرة تتحول عملياً إلى منطقة فاصلة، حتى لو لم تُرسم حدودها على الخرائط.
المسألة إذن لم تعد فقط في طبيعة العمليات العسكرية، بل في الهدف النهائي منها. فإسرائيل تسعى إلى فرض منطقة عازلة خالية من أصحاب الأرض بقوة النيران برًا وبحرًا وجوًا، واحتلال تتعدى حدوده جنوب الليطاني، وتثبيت واقع أمني يجعل الحدود الشمالية لإسرائيل أكثر أمنًا وإستقراراً وفق رؤيتها. ولبنان الذي أدخله حزب الله في حرب إسناد إيران، لم ينجح منذ حرب إسناد غزة إلى اليوم إلا بمراكمة الخسائر، ليس فقط على المستوى العسكري والقيادي، إنما على مستوى التسبب بخسارة لبنان للمزيد من السيادة على أراضيه.
التاريخ في جنوب لبنان لطالما أثبت أن الحدود التي تُرسم بالقوة لا تبقى ثابتة طويلاً. فكل مرحلة من الصراع كانت تعيد طرح السؤال نفسه: أين تنتهي حدود الأمن الإسرائيلي وأين تبدأ سيادة الدولة اللبنانية؟
لكن الأخطر من كل ذلك، السؤال إذا كانت الحرب اليوم تسير باتجاه رسم منطقة عازلة، فأي حدود ستصل إليها هذه المنطقة؟ وهل ستقتصر على القرى الحدودية، أم تمتد إلى عمق أكبر؟ هل تكون هذه الحدود واقعاً دائماً، أم مجرد مرحلة في صراع لم يتوقف يوماً عن إعادة تشكيل جغرافيا الجنوب؟

