الياس المر - خاص الأفضل نيوز
ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها مسار تفاوضي لبناني – إسرائيلي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. فمنذ اتفاق الهدنة عام 1949، مرورًا بـ مؤتمر مدريد 1991، ثم تفاهم نيسان 1996، وصولًا إلى القرار 1701 بعد حرب تموز 2006، وانتهاءً بـ اتفاق ترسيم الحدود البحرية 2022، كانت المفاوضات دائمًا انعكاسًا لموازين القوى في الميدان، لا بديلًا عنها. واليوم، مع تصاعد الحديث عن مفاوضات مباشرة جديدة في قبرص، يعود السؤال نفسه: من المستعجل؟ لبنان أم إسرائيل؟
في الظاهر، يبدو المشهد وكأن هناك استعجالًا لبنانيًّا، خصوصًا في ظل الضغوط الدولية المتزايدة تحت عنوان بسط سيادة الدولة وحصرية السلاح، وهو عنوان يتكرر منذ سنوات لكنه يُطرح اليوم في سياق مختلف، إذ يأتي في قلب حرب إقليمية مفتوحة، تتداخل فيها الجبهات من جنوب لبنان وصولًا إلى إيران.
غير أن القراءة المتأنية تشير إلى أن الاستعجال قد يكون إسرائيليًا أكثر منه لبنانيًا. فإسرائيل التي دخلت الحرب بهدف تغيير المعادلة في المنطقة، ثم توسيعها لكسر محور المقاومة، لم تحقق حتى الآن أهدافًا حاسمة، لا في مواجهة إيران، ولا في محاولة إنهاء دور حزب الله في لبنان، ولا في فرض واقع ميداني جديد في الجنوب. كما أن خيار الاحتلال البري الواسع يبقى مكلفًا ومحفوفًا بالمخاطر، ما يدفع تل أبيب إلى البحث عن مسارات سياسية موازية.
في هذا السياق، يُفهم الموقف الذي يقوده رئيس مجلس النواب نبيه بري، القائم على دقة المرحلة وحساسيتها.
فالرجل لا يضع فيتو على مبدأ التفاوض بحد ذاته، وإن كان يفضّل أن يبقى ضمن الإطار القائم، أي إطار الميكانيزم وتطبيق تفاهمات وقف إطلاق النار لعام 2024 من الجانبين هذه المرة، باعتبار أن أي انتقال إلى مفاوضات مباشرة خارج هذا السقف قد يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط السياسية لمزيد من التنازلات.
كما أن الحديث عن عدم وجود ممثل مباشر عن الثنائي في أي مسار تفاوضي محتمل، لا يعني غيابه الفعلي عن القرار.
فالرئيس بري، بحكم تجربته الطويلة في إدارة التفاوض مع الأميركيين والإسرائيليين، يدرك أن تل أبيب لا تسير عادة في طريق يؤدي إلى تسوية عادلة ما لم تُفرض عليها بفعل التوازن. ولذلك فإن عدم الاعتراض على المفاوضات لا يعني الموافقة عليها، بل يعكس مقاربة تقوم على ترك الباب مفتوحًا من دون تقديم تنازلات مسبقة.
وفي الحسابات اللبنانية، لا يمكن أن يكون سقف أي اتفاق أقل من تحرير ما تبقى من الأرض المحتلة، وضمان وقف الاعتداءات، وإطلاق الأسرى، ووضع استراتيجية وطنية دفاعية تقوم على تمكين الجيش اللبناني، ضمن تنوّع في مصادر السلاح والشراكات بين الشرق والغرب.
عند هذا الحد فقط، يصبح النقاش حول سلاح المقاومة نقاشًا سياديًّا داخليًّا، لا شرطًا مفروضًا تحت النار.
لذلك، فإن مفاوضات قبرص – إن حصلت – لا تعني قبولًا لبنانيًا ولا رفضًا كاملًا، بل تعكس معادلة دقيقة:
الأرض والاستراتيجية أولًا… وبعدها فقط يمكن فتح ملف السلاح.

