إسلام جحا- خاص الأفضل نيوز
وسط الأزمة الاقتصاديَّة التي يرزحُ لبنانُ تحت نَيْرِها، صادق مجلسُ النُّوّاب اللُّبنانيِّ مطلعَ هذا الأسبوع على موازنة عام 2022، التي تضمّنت تعديلَ سعر صرف الدُّولار الجمركيِّ من 1500 إلى 15 ألف ليرةٍ بأكثرية 63 نائبًا، ومعارضة 37 نائبًا، وامتناع 6 نوابٍ عن التّصويت، وغياب 22 نائبًا عن الجلسة. وقد أعقب هذا الإقرار إعلانٌ مفاجئٌ لوزير المال في حكومة تصريف الأعمال يوسف الخليل اليوم ب"رفع الدولار 1500 ليرة إلى 15 ألف ليرة عملًا بالدُّولار الجمركيّ ما يثير أكثر من إشكاليّةٍ حول الموضوع وإن كان الأمر مشروطًا بإقرار خطة التّعافي.
إنّ رفعَ السّعر الرّسميّ للدّولار سيتمّ حسب بيان وزارة المال على مرحلتين، الأولى على صعيد الدّولار الجمركي الذي أقرّ منذ أيّامٍ، والثانية على صعيد سعر الصَّرف الرّسميّ المراد اعتماده بالتّنسيق مع المصرف المركزي. ولكن هل يعني ذلك رفعًا في الرّواتب على غرار زيادة الكلفة الجمركية؟.
بحسب الموازنة، فإنّ إقرار الدولار الجمركيِّ ب15 ألفًا؛ يعني رفعَ رواتب موظّفي القطاع العام المدنيّين والعسكريّين والمتقاعدين والمتعاقدين بزيادة ضعفين على الراتب الأساسيِّ. فوفقًا لأرقام الموازنة، بلغت قيمة النفقات 40 ألفًا و873 مليار ليرةٍ (نحو 2.7 مليار دولار)، بينما بلغت قيمة الواردات 29 ألفا و986 مليار ليرةٍ (نحو 1.9 مليار دولار)، أي بعجزٍ يبلغ 10 آلاف و887 مليار ليرةٍ (نحو 726 مليون دولارٍ).
وفي هذا الصّدد، يقول الخبيرُ الاقتصاديُّ الدكتور فادي غصن في حديثٍ خاصّ لموقع الأفضل نيوز: "إنّ إقرار الدولار الجمركي بسعر 15 ألف ليرةٍ سيؤدي إلى زيادة إيرادات الدّولة، وخفض عجز الموازنة، في الوقت الذي تكمن المشكلة في اعتماد أكثر من سعر صرف للدولار الواحد، وهذا سينعكس سلبًا على أسعار المواد الاستهلاكيَّة المستوردة التي يُقدَّر استيرادُها ب80% من حجم الاستهلاك، يترافق ذلك مع تضاؤل القدرة الشِّرائية لدى المواطن. أمّا المستفيد الأكبر، بحسب غصن فهُم التُّجّار الذين استوردوا على سعر الدولار الجمركي 1500 ليرة، ويبيعون اليوم بسعر دولار السّوق السّوداء.
يضيف غصن: "الحلُّ يبقى في تخفيض نسبة الرسوم الجمركيَّة على السّلع الأساسيّة كما درجت الحكومات السّابقة، وليس في تخفيض الدولار الجمركي؛ لأنّنا بحاجة إلى إقرار خطّةٍ اقتصاديةٍ من شأنها توحيد سعر الدولار من أجل استقطاب الاستثمارات الخارجيّة، مقابل تخفيض الرسوم للمواد الأساسيّة".
وعن مساهمة أموال المغتربين في الاستقرار الاقتصادي للعائلات اللُّبنانيّة، فتتمثّل في مصدرين اثنين هما: تحويلاتُ المغتربين لذويهم بما يُقدَّرُ ب6.5 مليار دولار، وعائدات السّياحة التي تُقدَّر ب6 مليارات دولار للعام 2018، من هنا يجب المحافظة على هذين المصدرين من خلال طمأنة المغترب من جهةٍ، وخلق نظامِ أمانٍ اقتصاديٍّ للمستثمرين، مع دعم الحكومة للركائز الأساسيَّة للإنتاج مثل الصِّناعة والزِّراعة.
وعن إمكان توجُّه الدّولة فعليًّا نحو توحيد سعر الصّرف، كما يطلب صندوق النقد الدّوليّ، بما يشوب هذه الخطوةَ من عقباتٍ، أكّد غصن أنّ تصريحات وزير المال اليوم تشير إلى التَّوجه العام نحو توحيد سعر الصّرف الذي بات ضرورةً، لأنه أحد الأدوات المهمّة للخروج من الأزمة، مع ضرورة إعادة النظر بالرسوم والضَّرائب.
الأزمة الاقتصادية هي الأسوأ، يرى الخبير الاقتصادي، إلّا أنّ على الحكومة أن تعتمد خطةً إصلاحيَّةً شاملةً للكهرباء والنَّقل العام وكلفة الاستيراد الكبيرة نتيجة الضّعف في الزِّراعة والصِّناعة، وهذا ما لم ترصده الموازنةُ الحاليّةُ، ما سيزيد حجمَ الركودِ الاقتصاديِّ الحاصل؛ لأن الحلولَ تأتي من القطاعات الخاصّة بتكلفةٍ أعلى دائمًا.
وعلّق غصن على إقرار الموازنة في هذا التوقيت بالقول: "إنَّ إقرارها قبل انتهاء العام 2022 ب3 أشهرٍ يبقى أفضل من عدمه، في الوقت الذي يجب العمل فيه على الموازنة الجديدة لعام 2023، مرفقةً بالإصلاحات المطلوبة لكيلا يطول أمدُ الأزمةِ الاقتصاديَّةِ الحاليةِ.
بعد إقرار الدّولار الجمركيّ وربطه باعتماد سعر صرف دولار 15 ألف ليرة مطلع الشهر المقبل، فإنّ تداعياتٍ عدّة سلبيَّة تلوح في الأفق ستؤثر على أصحاب القروض التي يتمُّ إيفاؤها على سعر صرف 1500 ليرة، ما يشير عاجلًا أو آجلًا إلى تعثُّر مَديني القروض المتزامنة مع خسائر مصرفيَّة تُقدَّر ب73 مليار دولار، الأمر الذي سيؤدّي لقفزة كبيرة في تقدير الفجوة المالية وهذا ما ترفض اليوم الاعتراف به؛ لأنّ تنظيف ميزانيتها يتم اليوم عبر سعر صرف 1500 ليرة لبنانيّة، الأمر الذي يكشف سببَ وقوفها سدًا منيعًا في وجه اعتماد سعر صرف موحَّدٍ ما سيكشف الخسائرَ الماليّة التي مُنيَ بها القطاع المصرفيُّ في لبنان.
هذا ويأتي النِّقاشُ السِّياسيُّ بشأن الموازنة وما تبعها من تصريحات وزير المال اليوم بعد تأخير 9 أشهرٍ تخلَّلتها خلافاتٌ بين الأقطاب السِّياسيّة حول الكثير من البنود، أبرزها سعر صرف الدولار الجمركي الذي على أساسه تُحتسب قيمةُ الرسوم والضرائب، في ظلِّ معارضة بعض الكتل والنُّواب لها. وبين فراغين من المرجّح أن يعيشهما لبنانُ في الأشهر المقبلة لحكومةٍ جديدةٍ وكرسيِّ بعبدا يبقى السّؤالُ المطروحُ، هل ستقفُ المصارفُ عائقًا في وجه المضيِّ بتوحيدِ سعر صرفِ الدُّولار قريبًا؟!.

