زياد العسل - خاصّ الأفضل نيوز
يقول أبو الطيِّب المتنبّي في إحدى قصائده "ذائعة الصِّيت":
رماني الدهرُ بالأرزاءِ حتّى
فؤادي في غشاءٍ من نِبالِ
فصرْتُ إذا أصابتني سِهامٌ
تكسّرتِ النِّصالُ على النِّصالِ
هذه هي حتمًا حالُ اللّبنانيّين في هذا الزمن العصيب في انتظار الشتاء المقبل، الذي ينذر بصعوباتٍ معيشيّةٍ كبرى، في ظلّ انهيارِ العملة الوطنيّة، وفقدان الرّواتب لقيمتها الشرائيّة، وأزمة المحروقات وخصوصًا، الحطب المخصّص للتّدفئة.. هذه الهمومُ تثقل قلوب اللّبنانيّين وعقولهم على مصيره في الشتاء المقبل.
يتحدّث سمير، وهو ربُّ عائلةٍ مؤلفةٍ من ثلاثة أبناء للأفضل نيوز: "ثمة قلقٌ كبيرٌ بشأن كيفيّة تأمين ثمن برميلٍ من المازوت، إذ تبلغ تكلفته أكثر من 8 ملايين ليرة لبنانية قياسًا بسعر صرف العملة الوطنية الحاليّ مقابل الدولار، وهو الأمر عينه بالنّسبة "للحطب" إذ أنّ كثرًا من العائلات البقاعيّة لجأت لتحويل "الصّوبيا" للحطب بعد أن كانت تعمل سابقًا على مادّة المازوت". هنا يشير سمير إلى أنه إذا قرر استبدال التدفئة من المازوت إلى الحطب، فإنّه سينطبق عليه المثل القائل: "من تحت الدّلفة لتحت المزراب"، فثمن المتر الواحد من الحطب يساوي 120$ أميركيًا.
أما محمد (صاحب فرن مناقيش) يتحدّث للأفضل نيوز ممازحًا: "إنه بحاجة لأن يبيعَ قارّة آسيا صفائح من الجبنة واللحمة؛ لكي يتمكن من تأمين التدفئة من خلال مادّة المازوت، فهذا الأمر بات يشكل قلقًا جدّيًا على مصلحته التي امتهنها منذ عقود".
الهمُّ الأساسُ للعاملين في قطاع صناعة "البوابير" يتمثل في استيراد المواد الأوّليّة التي نصنع منها منتجاتنا. يشير صاحب معامل دحسون "للصوبيات" سامر دحسون، إلى "أن هذه السّنة ستكون استثنائيةً بامتيازٍ على زبائنه الذين بدأوا من منتصف الصّيف بنقل مدافئهم إلى الحطب، بالإضافة للنقل والكهرباء لتأمين مادة المازوت يوميًا لنتمكن من العمل، وهذا ما أرغمنا على زيادة الثمن تماشيًا مع الغلاء الذي حدث، إذ إنّ نحو 90% من الناس نقلت تعبئتها من "الوجاقات القديمة على المازوت "إلى تلك المعتمدة على الحطب، نتيجةَ غلاءِ مادّة المازوت، مع استحالة شرائها من قبل شريحةٍ كبيرةٍ من الشعب". يضيف: "نقول للمستهلك اللبناني إننا نتشارك معه الهمَّ المعيشيَّ، ولكن لا يمكن أن نقوم بالتقسيط، نتيجةً لشرائنا كل المواد الأولية على الدولار الأمريكيّ".
"نحن من الناس، ونحن نبيعهم بما يرضي ضمائرنا، ولا يمكن أن نكون بمثابة أزمةٍ فوق الأزمة التي تمواجه الجميع"، يقول يوسف (تاجر حطب من بكيفا قضاء راشيا)، مؤكدًا "أنَّ كلفة النقل والعمل والجهد وإصلاح أيِّ قطعةٍ في آلة معطلَّة بات باهظًا، لذلك فسعر ال120$ هو أقلّ ما يمكن أن نبيعَ في ظلّ هذه الأزمة، ولتسامحنا هذه الدّولةُ التي دفعت الجميعَ للعمل والنِّضال لأجل لقمة العيش، لنتمكن من تسيير شؤون اليوم الذي نحيا فيه".
في الإطار نفسه، كان لقاء للأفضل نيوز مع سعد (28 عامًا، النبطية) تحدّث فيه عن نوع خشب السّنديان الذي يلعب دورًا كبيرًا في التدفئة، وهو الأكثر طلبًا من قبل كثيرٍ من المستهلكين، واليوم لم يتغير سعر المبيع على الدولار الأمريكي". ويؤكّد سعد أنّ "نسبةً كبيرةً من الناس تتصل به بشكلٍ يوميٍّ لتأمين حطبها، وإن بكميات مختلفة، ناهيك عن الذين يقومون بالتحطيب بأنفسهم بسبب عدم القدرة على الشراء".
وسط هذا الواقع، علم موقع الأفضل نيوز أن "إشكالاتٍ تحدث في أكثر من قريةٍ بقاعيةٍ بين مأموري الأحراج والسّكان الباحثين عن قطع من الحطب لتقي عائلاتهم الصّقيعَ المقبل، وقد حُسمت في الكثر منها بشكلٍ توافقيٍّ "ضيعي" ، لكنّ الخشية ألا يتحولَ هذا المشهد إلى دمويٍّ بين أهل القرية الواحدة في ظلِّ الغلاء الفاحش والوضع المأساوي.

