المحامي ممتاز سليمان- خاص الأفضل نيوز
تنصُّ المادةُ "20" من الدُّستورِ اللُّبنانيِّ على أنَّ "السُّلطةَ القضائيّةَ تتولّاها المحاكمُ على اختلافِ درجاتِها واختصاصاتِها ضمنَ نظامٍ ينصُّ عليه ذالقانونُ، ويحفظُ بموجبِه للقضاةِ وللمتقاضين الضَّماناتِ اللّازمةَ... والقضاةُ مستقلُّون في إجراء وظيفتهم، وتصدرُ القراراتُ والأحكامُ من قبلِ كلِّ المحاكمِ، وتنفذُ باسمِ الشَّعبِ اللُّبنانيِّ".
كما ينصُّ الدُّستورً في الفقرةِ "5" منه، على أنَّ "النِّظامَ قائمٌ على مبدأ الفصلِ بين السُّلطاتِ وتوازنِها وتعاونِها".
فالنَّصُّ الدُّستوريُّ عصريٌّ ومتقدِّمٌ، ولا يعتريهِ أيُّ خللٍ، ولكنَّ السُّلطةَ السِّياسيَّةَ الّتي أُنتجت بعد اتِّفاقِ الطّائفِ، وبالرّغم من أن معظمها كان مشاركًا في وضعِ الدُّستورِ وصياغته، إلّا أنّها عملت، ومنذ اليومِ الأوَّلِ على تفريغِه من مضمونه، وربطِ مؤسَّساتِ الدّولةِ الدُّستوريَّةِ كافةً بولاءاتٍ ترتبطُ بها طائفيًّا ومذهبيًّا وزبائنيَّا.
فعلى صعيدِ استقلال السُّلطةِ القضائيَّةِ، تمَّ خرقُ هذا المبدأ من خلال إخضاع تعيين القضاة لقرار مجلس الوزراء، لا بل إنَّ التَّعيينَ في بعض المراكزِ القضائيَّةِ الأساسيَّةِ مرتبطٌ مباشرةً ببعضِ المرجعيَّاتِ السِّياسيَّةِ ذاتِ الخلفيَّةِ الطّائفيَّةِ والمذهبيّةِ، مثل رئيس مجلس القضاء الأعلى، النّائب العام التَّمييزي، رئيس هيئة التَّفتيش القضائي، والنَّائب العام الماليِّ، لا بل إنَّ الأمرَ قد تعدَّى ذلك إلى مراكزَ قضائيَّةٍ أخرى، أقلّ درجةً كنائب عامٍ استئنافيٍّ وقاضي تحقيق.
زِدْ على ذلك، أنَّ نظامَ الارتقاءِ والتَّدرُّجِ القضائيِّ في الدَّرجات؛ الذي نسجته أيدي السَّاسة حتى 16 درجة، وارتباطه المباشرِ بالسُّلطة السِّياسيَّة جعل الجسمَ القضائيَّ رازحًا تحت رحمةِ الزَّعيمِ السِّياسيِّ ورغبته، فيما لو أراد، تبوَّأ المراكزَ المهمّةَ والصُّعودَ في سُلَّمِ التَّدرُّج بسلاسةٍ. ناهيك عن سيفِ المناقلاتِ القضائيَّةِ المسلَّط دائمًا على رقبة السُّلطةِ القضائيَّةِ، بحيث يتمُّ نقلُ القضاةِ المتمرِّدين غير المطواعين إلى مناطقَ نائيةٍ بعيدًا من أماكن سكنهم، أو يتمُّ حرمانهم من تبوُّؤ بعضِ المناصبِ التي تعتبر حساسةً ومهمةً.
للأسف لم يتحرَّك الجسمُ القضائيُّ باكرًا لمواجهةِ سَطوةِ السِّياسةِ وهيمنتها، للتّأكيد على استقلاليته المنصوص عليها دستوريًّا، ما عزَّز قبضتَها بما حالَ دون السُّلطةِ القضائيّةِ، والاضطلاعِ بدورها، وأداءِ رسالتها المقدَّسة، فأضحى التَّعاطي مع القضاء والقاضي ليس كسلطةٍ دستوريَّةٍ مستقلَّةٍ، بل كوظيفةٍ وموظَّفٍ، وهذا ما ساهم بشكلٍ حاسمٍ في إضعاف القضاء وهيبته.
وجاء الانهيارُ الاقتصاديُّ المُتأتّي من هدر السُّلطةِ السِّياسيّةِ، وأذرعتها العميقةِ في الدَّولة لمقدَّرات الدَّولة، وسرقةِ خزينتها وتبديدها، في ظلِّ نظامٍ اقتصاديٍّ هشٍّ قائمٍّ على الاستدانة والاستهلاك دون رقيبٍ أو حسيبٍ، مع ما أفرزه من تبعاتٍ سلبيَّةٍ على الصُّعدِ الاجتماعيّة المعيشيّةِ والأخلاقيَّةِ كافةً لم يشهد لبنان لها مثيلًا، فزاد الفقرَ والبطالةَ والجريمةَ إلى مستوياتٍ قياسيّةٍ مخيفةٍ، حتى حلَّ لبنانُ مؤخرًا في المركز الاوَّلِ على صعيد العالم في مستوى التَّضخُّمِ، ما يعكسُ حجمَ الأزمةِ وهولها الَّتي يتخبَّطُ بها.
في ظلِّ هذا الجنونِ الاقتصاديِّ انهارت الرَّواتبُ، وانقلبت الطّبقاتُ الاجتماعيّةُ، فأصبح القطاعُ العامُّ كلُّه يعاني الفقرَ نتيجة تآكلِ الرَّواتبِ التي لم تعد تكفي لسدٍّ ثمن المحروقات للانتقال إلى مراكز العمل، ونالتِ السُّلطةُ القضائيَّةُ قسطَها من تبعاتِ هذا الانهيار؛ بحيث دخل القضاةُ في ضائقةٍ ماليّةٍ نتيجةَ فقدانِ رواتبهم بأكثر من 95% من قيمتها، في سابقةٍ لم يشهدْها تاريخُ القضاءِ، وهنا مجدّدًا، وبدلًا من أن تلتقطَ السُّلطةُ القضائيّةُ زمامَ المبادرةِ، وتضربَ بيدٍ من حديدٍ، وتملأ أقبيةَ السُّجونِ بالفاسدين المعروفين بالأسماء والمِلفَّات، وتعملَ على استعادةِ الأموالِ المنهوبةِ المحوَّلةِ للخارج، دخلت لأوَّل مرَّةٍ في تاريخ لبنانَ في ما يُسمَّى اعتكافًا قضائيًّا طلبًا لتحسين الرَّواتبِ؛ فشُلَّ مرفقُ العدالةِ تمامًا، حتّى وصل الأمرُ إلى لنِّيابات العامّة؛ التي امتنعت عن إعطاء إشاراتٍ أو توقيعِ الشكاوى.
هذه السَّابقةُ الخطيرةُ، قلبت البلادَ رأسًا على عقب، وهدَّدت فيما لو استطالت بتفلُّتِ الأمورِ من عقالها، لندخل شيئًا فشيئًا شريعةَ الغابِ، مع تآكلِ دورِ القوى الأمنيَّة وهيبتها على اختلافها.
وفيما لو لم يتمَّ الوصولُ إلى حلٍّ قريبٍ لإنهاء الاعتكافِ، وعودةِ السُّلطةِ القضائيَّةِ لممارسة هيبتها كسلطةٍ مستقلَّةٍ متحصِّنةٍ بنصِّ الدُّستور الذي يسمو على ما عداه من قوانينَ وأنظمةٍ، فالعواقبُ لا شكَّ وخيمةٌ وقاتمةٌ، وتنذر بتفكُّكِ أوَّلِ دعائمِ الهيكلِ؛ الُذي سيعقبه سقوطٌ مدوٍ لا قيامةَ بعده.

